الطقــــس

نشر 08 يناير 2010 | 01:32

بقلم:  أ.د يوسف رزقة    

   

المزارع والصياد والمسافر يسأل عادة عن أحوال الطقس حتى ينجح في مهمته. لا ينصب الصياد شباكه في البحر الهائج, ولا يزرع المزارع العنب في تموز, ولا تهبط الطائرة حين تغيب الرؤية. المفاوض الفلسطيني هو الوحيد الذي لا يحترم الطقس ولا الأرصاد الجوية ولا درس الجغرافيا, والمفاوض العربي في شرم الشيخ كالفلسطيني و العكس بالعكس.

 

المفاوض الفلسطيني سوبرمان يعمل في جميع الأحوال. إن لديه قدرات عالية للصيد في البحر الهائج, وزراعة العنب في تموز, والسفر بالطائرة إلى كل مكان, وفي كل زمان؟! هو دائم الاستخفاف بالطقس, ويرى نفسه قادر على تحدي مفاجآته. هو يقول الطقس ليس قدراً ولا شأن له في السياسة؟!

 

المفاوض الفلسطيني العتيد فاوض رئيس وزراء من حزب العمل, وآخر من الليكود, وثالث من كاديما, ورابع هو نتنياهو, وفاوض في ظل كلينتون, لثماني سنوات ثم في ظل بوش الابن أيضاً لثماني سنوات وهو اليوم جاهز لأن يتفاوض في ظل أوباما لسنوات مديدة. هذا الطقس المتقلب في تل أبيب, أو في واشنطن لا يعني المفاوض الفلسطيني في شيء. المفاوض السوبر أكبر من الطقس؟!

 

العاقل يختار الطقس المواتي ويتجنب الطقس المعاند. فرص النجاح لا تتوفر في جميع الأحوال والظروف. بالأمس القريب قال سوبر مان المفاوضات إن الطقس الذي أوجده نتنياهو وليبرمان لا يناسب مطلقاً المفاوض الفلسطيني, ولا يبرر استئناف المفاوضات, ولتحسين أحوال الطقس يجب وقف الاستيطان قبل استئناف المفاوضات. (جيد).

 

اليوم المفاوض السوبرمان يعلن عن اعتدال الطقس, وعن استئناف المفاوضات ولقاء نتنياهو. في مصر هناك من يتحدث عن اعتدال الطقس وعن الجاهزية لاستقبال الأطراف في شرم الشيخ. المهتمون بالشأن الفلسطيني لا يرون اعتدالاً, وإنما يرون ادعاءً. أوباما هو هو, ونتنياهو هو هو, ولبيرمان يحاصر نتنياهو وعباس. والأحزاب الدينية المشاركة في الحكومة تحاصر القدس. والجدار الفولاذي القاتل المميت في طريقه لمحاصرة غزة. والمفاوض الفلسطيني جاهز للمفاوضات, ولحس ما سبق. (هذا غير جيد).

 

مفردات الطقس السياسي في تل أبيب وواشنطن والقاهرة تقول إن الأجواء والأحوال لا تناسب المفاوضات, وأن المفاوضات ستطحن الهواء وستعطي أوباما ونتنياهو فرصة زمنية مديدة, وستوقف أي حراك دولي يتبلور من أجل توفير طقس معتدل والضغط على تل أبيب وهي في الوقت نفسه آلية للتغطية على أزمة النظام العربي.

 

العالم يدرك أن الاستيطان يصادم المفاوضات. يجدر بالفلسطيني أن يستثمر هذا الإدراك ويحوله إلى آليات ضغط وعمل. (ثمة لهفة فلسطينية على المفاوضات), أو قل إن سوبرمان التفاوض لا يستطيع الحياة السعيدة خارج دائرة المفاوضات. المفاوضات نفسها بما فيها من كاميرا وصورة وريبورتاج وقبلات توفر الحيوية للمفاوض. يجب العودة السريعة إلى الخبر الأول في الشاشة؛ قال سوبرمان المفاوضات اللقاء كان إيجابياً, ولكن .., لا نريد أقوالاً وإنما نريد أعمالاً, قمنا بالتزاماتنا وعلى الطرف الآخر الوفاء بالتزاماته. وهكذا تستطيع اللغة بعبقريتها التغلب على الطقس وهزيمته.