بقلم: د. عبد الله الأشعل
أريد في البداية أن أزيح غمامة عن عقول بعض الكتاب الذين يتخوفون من الخلط بين اليهودية والصهيونية، أو يخشون من ملامسة إرهاب الوقوع في جريمة معاداة السامية حتى بالمقاييس الإسرائيلية، فنؤكد أن إسرائيل نفسها ترنو إلى أن تكون دولة يهودية، فكل القادة والمسؤولين يهود، فيصبح الحديث عن محرقة اليهود في غزة صحيحاً، ما دام كل الذين نفذوا يهوداً، ويفخرون بهذا العمل 'البطولي'، 'الشجاع'. وعندما اخترت الحديث عن ذكرى الهولوكوست الألماني فقد عمدت إلى اختيار الجاني، بينما بمعيار الضحية يكون الهولوكوست يهودياً في ألمانيا، وتطبيقاً لهذا المعيار يكون هولوكوست غزة هو محرقة اليهود ضد الفلسطينيين. ومعنى ذلك أن اليهود هم ضحايا الألمان، وأن الفلسطينيين هم ضحايا اليهود، حتى لو كان الذي نفذه هم المسؤولون الإسرائيليون من الناحية الفنية.
وفي يناير من كل عام يتم إحياء ذكرى الهولوكوست الألماني بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولذلك اقترحت أن تطالب الدول العربية بإحياء ذكرى الهولوكوست اليهودي أيضاً في شهر يناير، ويمكن أن يكون إحياء الذكرى في أسبوع واحد على أساس أن الضحايا من الجانبين هم ضحايا طرفين، الطرف الأول الجاني هو النظام النازي الذي دفع الألمان جميعاً ثمناً باهظاً له من حريتهم ومكانتهم وأموالهم وضمائرهم، وخضعوا لابتزاز الحركة الصهيونية حتى الآن، أما الجاني في حالة الهولوكوست اليهودي فهم زعماء الصهيونية وغالبية الشعب الإسرائيلي الذي كافأ أبطال المحرقة اليهودية في غزة بانتخابهم ومنحهم ثقتهم، فماذا لو كان الألمان قد انتصروا في الحرب الثانية، ألم يكن من حظ المنتصر أن يحصد الجوائز بما في ذلك الثقة والتمجيد والاعتبار؟ ولكن من حظ ضحايا الهولوكوست الألماني أن النازية هزمت، فطبق علىها قانون المنتصر. هل يعني ذلك أن العدل لضحايا الهولوكوست اليهودي لن يتحقق إلا إذا هزم المجرمون؟ هذه للأسف هي النتيجة المنطقية في عالم تحكمه القوة ولا يجد وقتاً للبكاء على الضحايا لأنهم سقطوا من المسيرة التي تأبى التوقف لأحد، كما أنهم ضعفاء، ولا عزاء للضعفاء.
لقد بكى أبومازن وبان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة على ضحايا محرقة الألمان بعد مضي ستين عاما على حدوثها، وهو يحيي ذكراها مع زعماء العالم، ورغم كل العدل الذي بولغ فيه لهؤلاء الضحايا، ولكن البكَّائين لم يجدوا دموعاً للضحايا الفقراء الضعفاء في فلسطين.
وإذا كان مجلس الأمن والأمين العام قدما صورة الأمم المتحدة السلبية تجاه الفلسطينيين، فإن الجمعية العامة وهي تعبر عن ضمير العالم قد تعاطفت مع ضحايا المحرقة الألمانية، ولا نشك في أنها من باب أولى سوف تتعاطف مع المحرقة اليهودية في غزة. ولكني أظن أن هناك عقبات تحول دون تحقيق ذلك. أول هذه العقبات هي أن واشنطن تعتبر ضحايا محرقة ألمانيا هم ضحايا البشرية كلها، لا يزاحمهم في مكانتهم أحد، وبينما ضحايا المحرقة اليهودية إرهابيون لمجرد أنهم فلسطينيون، ولم يصدر عن أوباما رغم خلفيته الاجتماعية الرقيقة ما يفيد التعاطف مع الفلسطينيين بشكل واضح. العقبة الثانية هي أن المجرم وهو إسرائيل لها حظوة كبرى عند الغرب، وتهون إلى جانب جرائمها كل أنات ودماء الضحايا. ثالث هذه العقبات أن الحكومات العربية تخشى بأس إسرائيل وواشنطن، ولذلك فإن توصية قمة الكويت العربية في الملاحقة الجنائية للإسرائيليين كانت من الرقة وضعف الإرادة لدرجة أن آثارها معدومة في الواقع. العقبة الرابعة هي أن الإقرار بمحرقة اليهود من جانب الجمعية العامة سوف يعني الإقرار بالتعاون لضبط الجناة؛ أي زعماء إسرائيل، وهذا قرار سياسي عويص لا أظن أن العالم مستعد الآن له.
من ناحية أخرى، نحن نظن أن الملاحقة القضائية سوف تهيئ الأذهان لقرار دولي لشهداء المحرقة اليهودية في غزة، وسوف تسمو مشاعر الإنسانية على الحسابات السياسية؛ لأن الاعتراف بمأساة ضحايا المحرقة اليهودية يعني ضمنياً الاعتراف بحماس، وهو من المحظورات في السياسات الدولية والعربية.