النظام الإيراني بين انقسام الداخل وتدخل الخارج

نشر 03 يناير 2010 | 11:58

بقلم: ياسر الزعاترة

 

من الواضح أن قادة المعارضة الإيرانية لا يزالون مصممين على مواصلة الاحتجاجات الشعبية التي رفعت منذ البداية شعار الإصلاح ورفض نتائج الانتخابات الرئاسية التي نصبت نجاد رئيسًا لولاية ثانية، فيما يبدو الطرف الآخر مصممًا على رفض لعبة ليّ الذراع التي تمارَس ضدَّه بمساعدة الخارج بحسب اعتقادِه.

 

في هذه الأجواء تنهض أسئلة كبيرة بشأن نهاية هذا المسلسل، وكذلك تأثيراته على الوضع الداخلي وعلاقة إيران بالخارج وقضية الملف النووي، وهي أسئلة لا تعني إيران وحدها، وإنما تعني سائر المنطقة التي باتت إيران أحد لاعبيها الأساسيين، إن لم تكن اللاعب الأهم في ظلّ تراجع النظام العربي، مع التذكير بصعود تركيا كلاعب منافس.

 

من الصعب الجزم بمصير الاحتجاجات المتواصلة في إيران، لكن موسميتها واستغلالها لبعض المناسبات لا تشير إلى قدرتها على إطاحة النظام، والنتيجة أن المقارنة بينها وبين ثورة الخميني ضد الشاه لا تبدو صائبةً، حتى لو أمكن القول إنها مجرد إرهاصات لثورة قد تأتي بعد عام أو عامين أو أكثر.

 

حتى الآن، من الصعب القول: إن حركة الاحتجاج تعبِّر عن الغالبية في إيران، حتى لو استشهد البعض بخروجها من طهران وامتدادها نحو بعض المدن الأخرى، نقول ذلك مذكّرين بعبثية الحديث عن فوز نجاد بالتزوير، حتى لو تم الإقرار بوجود تجاوزات منحته أكثر مما يستحق من الأصوات.

 

هذا يعني أن قوة النظام لا تعتمدُ فقط على أذرعِهِ الأمنية، بل تتجاوزها نحو قاعدة شعبية لا تقلُّ راديكالية وقدرة على الصدام، بدليل أنه ما من مظاهرة للمعارضة إلا وتليها مظاهرة أخرى للموالاة، مع فارق التركيز الإعلامي بين الحالتين، لا سيَّما أن الأولى غالبًا ما تنطوي على صدامات وأحيانًا قتلى وجرحى ومعتقلين.

 

قد ينطوي كلام نجاد عن مؤامرة 'صهيو أمريكية' على كثير من المبالغة في توصيف ما يجري، لكن استبعاد العامل الخارجي يبدو سطحيا إلى حدٍّ كبير، إذ لولاه (ممثلًا في الدعم الإعلامي والسياسي) لما كان بوسع الاحتجاجات الاستمرار طوال هذه الفترة، حتى لو سلَّمنا بأن قادة المعارضة ليسوا مرتبطين بالخارج، وهم كذلك في اعتقادنا.

 

ليس بوسع ثورة داخلية الانتصار من دون إسناد خارجي، اللهم إلا إذا حظيت بالإجماع الذي يمكِّنها من استقطاب، وأقله تحييد رجال الأمن والمنخطرين في سلك النظام كما وقع في ثورة الخميني، ونتذكر أن ثورات أوروبا الشرقية ما كان لها أن تنتصر لو استمرَّ الإسناد الخارجي للأنظمة ممثلًا في الاتحاد السوفييتي، ولو لم يتوفر الدعم الغربي واسع النطاق.

 

لو كان الغضب الشعبي الداخلي كافيًا لإحداث التغيير لوقع ذلك في مصر على سبيل المثال، ولما كان بالإمكان قمع ثورة الجزائريين عقب انقلاب العسكر على نتائج انتخابات 91 التي فازت فيها جبهة الإنقاذ، والأمثلة كثيرة في العالم العربي والعالم الثالث.

 

كل ذلك لا يقلل من أهمية ما جرى ويجري، ولا من دلالاته على مستقبل النظام وتماسكه، ولا شك أن شمول حركة المعارضة لرجال الدين يجعل من استخدام السلطة للدين في المواجهة غير ذي جدوى، فضلًا عن حقيقة أن نسبة المتدينين في إيران تبدو محدودة، خلاف للانطباع السطحي الذي توحي به المظاهر الخارجية، أو تدين الرئيس الفائز، والذي يعود فوزُه لنزاهته وليس لالتزامه الديني.

 

الأكيد أن هذه التطورات الداخلية سيكون لها تأثيرُها المهمّ على تماسك إيران في مواجهة الضغوط الخارجية، لا سيَّما تلك المتعلقة بالملف النووي، فيما يفكر الغرب حاليًا في عدم الذهاب بعيدًا في العقوبات بحيث تؤدي إلى التفاف داخلي حول النظام، مفضلًا ترك الاحتجاجات لتأخذ مداها.

 

هنا يمكن القول: إن الغرب يعول على إمكانية شراء النظام لرأسه بتنازلات تتمثل في نسيان الطموح النووي، ووقف دعم المقاومة في لبنان وفلسطين، فضلًا عن المحافظة على دور الفزاعة لدول الخليج كي تواصل التبعية ودفع الخاوات عبر صفقات الأسلحة.

 

إنه غرب عاهر لا تعنيه سوى مصالحه، وهذه الدموع التي تذرف على القمع الدموي للمتظاهرين الإيرانيين، ليست سوى دموع التماسيح، ولو قدَّم النظام ما عليه من استحقاقات لانتهى كل شيء، هل تذكرون تلك المقارنة بين نموذجي صدام والقذافي؟! وهل تذكرون قضية الإصلاح التي نسيتها واشنطن بعدما قدمت الأنظمة العربية ما هو مطلوب منها؟!

 

الأفضل بالطبع أن يتراجع قادة النظام عن خطابهم 'العنتري' ويجدوا فرصة للتفاهم مع المعارضة بدل المنازلة في الشارع ومن خلال العنف، لا سيَّما أن رموز المعارضة هم أبناء النظام وليس عملاء للخارج، فضلًا عن كونهم معبرين عن قطاع لا يمكن تجاهله من الناس.