لا غريب إلا الشيطان

نشر 03 يناير 2010 | 08:43

بقلم: أ.د يوسف رزقة

 

الخلافات العربية الرسمية هي جزء أصيل من تاريخ الأنظمة العربية الرسمية منذ قيام الدولة القطرية بعد الحرب العالمية الثانية. لقد دفعت الشعوب العربية وفلسطين بالذات فاتورة هذه الخلافات الحادة. وفقد النظام العربي نفسه هيبته واحترامه على المستوى المحلي الإقليمي والدولي.

 

الخلاف العربي العربي قطعة من تاريخ النظام العربي الحديث, وهو أمر لا يثير استغراب المواطن العربي الذي اعتاد التعايش مع هذه الخلافات, لكن ما استفز المواطن العربي وأثار استغرابه أنه في حرب الفرقان كان الخلاف على الشاشة, وأن القادة أنفسهم هم الذين قادوه, وهم الذين كانوا بالأمس يحرصون على البقاء في الخلف, ويكلون الأمر إلى وزراء من الحكومة, أو إلى المؤسسات الإعلامية.

 

في حرب الفرقان ظهرت حالة ثانية غريبة ومثيرة, فقد كانت فلسطين وقضيتها تاريخياً نقطة توحيد وتجميع للمواقف العربية المختلفة لاسيما في البيانات الرسمية على الأقل. اليوم في حرب الفرقان في مثل هذا اليوم من العام الماضي فقدت فلسطين بريقها كنقطة توحيد وتجميع, إذ أصبحت القضية الفلسطينية نقطة الخلاف ومركز التمزق والانقسام العربي, وهو ما كشفت عنه قمة الدوحة الطارئة من أجل غزة 16/1/2009م وموقف مصر الذي أفشلها باعتراف أحمد أبو الغيط وزير خارجية مصر, في ظل الدماء يتقارب المختلفون عادة لإيقاف النزيف وتضميد الجراح غير أن المعتاد هذا تمت مخالفته مخالفة صريحة متعمدة في حرب الفرقان وهذه حالة ثالثة مؤسفة. إنه كلما زاد الدم النازف من غزة كلما زادت حدة الخلافات العربية الرسمية بين القادة والرؤساء وازداد التضليل وارتفعت حدة المهاترات. كتلك التي انطلقت لاحقاً من وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط الذي أعلن متفاخراً أن مصر أفشلت قمة الدوحة .

 

ومن الحالات أيضاً التي تثير الاستغراب والدهشة وسجلتها كاميرا الفرقان 2009م أن القادة العرب المنقسمين ذاتياً لأسباب تخصهم وتخص دولهم وتوجهاتهم الدولية زعموا وما زالوا يزعمون أن الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس هو سبب الانقسام العربي, وأن الحلول الصحيحة تبدأ بالمصالحة الفلسطينية الفلسطينية. وكأن  تاريخ العدوان الصهيوني على فلسطين بدأ في 14/6/2007 وكأن العدوان الصهيوني على غزة بكافة أنواع الأسلحة كان موجهاً لحماس وحدها, ولم يكن موجهاً للشعب الفلسطيني بكامله. لقد اعتاد النظام العربي الهروب من عيوبه وخلافاته بإلقاء التبعية فيها على الفلسطيني. وكما اعتاد الهروب من عيوبه, اعتاد الهروب من مسئولياته العربية والقومية والدينية في دعم مقاومة الشعب الفلسطيني, واتهام جزء مهم منه بالولاء لإيران.

 

هذا جزء من الحالة العربية في حرب الفرقان وليست كل الحالة, وهو أمر يحتاج إلى مقالات أخرى. والمهم أن (إسرائيل) استغلت الحالة العربية فزادتها انقساماً, واستثمرتها لضرب غزة ضرباً مبرحاً,  ولم تتمكن الدماء الفلسطينية النازفة من جمع الحالة العربية وتوحيدها لنصرة غزة, حتى ذهب بعضهم للأسف, إلى تحميل المقاومة مسئولية الحرب والقتال, وبلغ الخذلان حداً اعتبره الإسرائيليون بمثابة تصريح عربي رسمي لهم لاستكمال مهمتهم في غزة لكسر المقاومة وتأديب حماس, لقد أعجب الأمريكان والإسرائيليون وساركوزي بالموقف العربي الذي قادته مصر في أثناء حرب الفرقان. ولا غرابة في الأمر لأنه لا غريب إلا الشيطان.