مضى عام .. و جاء عام جديد

نشر 02 يناير 2010 | 08:43

بقلم: د. عطالله أبو السبح

   

بفجر يوم أمس حلَّ عام جديد هو العاشر بعد الألفين، وانقضى التاسع بعدها، كان التاسع عاما مثخنا تلوَّن بالسواد ، و بالقيود وبالجراح، شهد عشرات اللقاءات مع عشرات من الفشل ، فلم يتحقق فيه الوفاق الفلسطيني و المصالحة، رفضها جميعاً صانع القرار في تل أبيب وواشنطن ، كما رفضها الأتباع الواقعون في غرام العاصمتين، وازداد التنسيق الأمني شراسة ووحشية ، فزجَّ بالمزيد من المئات في معتقلاته، وتخرَّج في مدرسته المزيد من القساة الجلادين  من المارينز الجدد ، و لكن بلكنات فلسطينية ، و رؤوس حليقة ، عليها غبار نيفادا أو شيكاغو ، يحاربون أهلهم كما لو كان أهلهم من بقايا التتار ، و ازداد الاقتصاد الفلسطيني ارتهانا لأهواء سلام فياض ، و خططه في بناء مؤسسات الدولة التي رسمتها كونداليزا قبل أن تدخل سرداب الحاخامات لتضع برتوكولا جديدا ينص على أننا مجرد ديدان ، و به يستكمل اليهود حفرهم للشبكة العنكبوتية من الأنفاق تحت الأقصى كخطوة نهائية قبل أن يصيح طفل فلسطيني : هنا كان الحرم !!

 

و فيه سُحبت آلاف البطاقات المقدسية فلم يعد أهلها من أهلها ، لقد طـُردوا كما طـُرد جدي وأبي من قريتهم قبل ثنتين و ستين سنة ، و فيه أكمل اليهود الاستيلاء على الحرم الإبراهيمي ، بعد أن ابتلعت كريات أربع قلبه و رأسه  ، و ذهبوا بشهاب الدين  النتشة إلى الآخرة ، و فيه أُحكم الحصار على غزة ؛ توطئة لشنقها على باب مؤتمر قمة جديد ، تكون فيه غزة مدانة بجريمة الصمود و التصدي للأخطبوط الصهيوني ، و الحيلولة دون وصول أنياب العم سام إلى المصلى المرواني ، وقبل أن يبكيه ( أحمد ) ذلك الطفل الفلسطيني المعجزة الذي يتمنى أن يكون ذات يوم عالم فضاء ، وكأنه قد قرأ مرسوما ًتلمودياً ؛ ألا مكان لك يا أحمد على الأرض ، فابحث لك عن مكان هناك حيث تريد أن تكون ، مضى عام و عشرة آلاف بطل يغلق عليهم ثعلب برأس كوبرا أبواب القمقم ، فيظل الأسير الفلسطيني رهن إشارة من ( نتنياهو ) ، الذي لا يملك الإشارة إلا لمزيد من الاختطاف ، مضى عام و لم تستطع قوى البغي و الجاسوسية  من الوصول إلى شاليط ، و كأنه في قوقعة ملقاة في قاع المحيط ، ليعطي حماس شهادة التميز و الكفاءة في الأمن و استحالة الاختراق ، مضى العام الذي كشف فيه جولدستون سوءة الخانعين ، كما كشف انحطاط الجيش الحضاري ، وإذا به جيش من الهمج اللئام و المنحطين و السفلة و اللصوص و قطـَّاع الطرق ، مضى عام و رأى العالم ( أبو قراط ) ينتحر على باب تل هاشومير ؛ لأن طبيبا يهوديا يسرق جلود موتانا و عيونهم و صمامات قلوبهم ، ليرقـِّع بها أجسادا مهترئة لآخرين من بني قومه ، بعد أن أقر ( أبو قراط )  بفشله في زراعة الأمانة في صدر صهيوني ، مضى عام  بعد أن شهد جرأة وزير خارجية قطر في مؤتمر غزة وهو يحاكي لهجة عباس ، الذي أبى أن يأتي ليقدم العزاء في شهداء غزة ؛ خشية  أن يذبحه سكين النظام العربي المذعن بامتياز لأهواء تسيفي و تفاهة أولمرت ، مضى عام تبرعت دول بالمليارات لإعمار غزة ، فأدرك الناس أن حماس تأبى الرقص على الحبال ـ فبقيت بلا إعمار إلا من قلوب بنيها ، مر عام على الجامعة العربية و هي هي ؛ من قطيعة رحم و تدابر و تحاسد و على شفير الهاوية ، فالشرق فيها شرق و الغرب غرب ، مضى عام  و العراق تغرق في البلاك - ووتر ، وأنياب الصغير بوش تنضاف إلى أنياب الصغير أوباما  و ليس في أوطاننا من يجير بغداد منها ، ولا تهيج في صدورهم نخوة المعتصم ، مضى عام و طبول الحرب لا تزال تدق على باب السلام حيث  يتترَّس المتخاذلون و فرسان الكلام ، مضى عام ولا يزال النظام العربي رافعا لواء الغدر بالشعب الفلسطيني ، و يدعو إلى ضبط النفس و إغراق غزة في بحر الظلمات ، مضى عام و بعض العلماء عملاء يقودون العباد إلى مواخير العار ، و من عصى كان – في عرفهم – باغيا أو قاطع طريق يلقي بيده إلى التهلكة ، مضى عام ولا يزال أهلنا يتوالدون في الشتات حتى أضحوا بالملايين ، ولا يزالون يتمتعون بالذاكرة والذكريات و يجددون العهد على العودة ، مضى عام و تركيا في صعود وكأنها أم غابت ثم غابت ، وها هي ترجع لأولادها بعزم جديد و حنان جديد ، مضى عام و المقاومة بخير رغم ما أصابها من جراح و جراح ، مضى عام و ليته ما كان و ليته ما يكون ، و جاء عام و أنا على يقين بأن سوء الدنيا قد أخذه العام المنصرم ، وبه انصرف ، وما بقي للعام الجديد من سوء ..