عزيزي الأب

نشر 31 ديسمبر 2009 | 09:09

بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

قد ينسى  بعض الآباء في غمرة الحياة أن أولادهم، أو بعضهم قد بلغ مبلغ الرجال، فيظل على اعتقاده بوجوب طاعته على أولاده، فإذا طلب فطلبه أمر غير قابل للنقض أو التعديل أو الإرجاء، وإلا فإن أحساساً ما يساورهم بأن مكانتهم قد اهتزت، وأن صك الأبوة الذي يدخل به ولده جنته لم يعد قابلاً للصرف أو التداول، فيكتب شهادة وفاة لتلك الأبوة التعيسة، المريضة، خاصة إذا لم يكن قد هيأ نفسه لأي احتمال، ووقع في غفلة أن لولده من المشاعر الخاصة، والثقافة الخاصة، وله ما يحب ويكره، وما يقر وينكر، ولديه القدرة على التمييز والمحاكمة، ويرى الجانب البشري والإنساني من والده في معزل عن الأبوة ومقتضياتها، وبذاك الجانب هو يصيب ويخطئ، وإحساسه (أي الولد) يرى الصواب كما يرى الخطأ، ويستقر كلاهما في لا شعوره، يستدعيه الشعور عند الحاجة أو الضرورة، ومن المؤكد أن تراكم الأخطاء التي وقع فيها الوالد في لا شعور ولده ستأتي اللحظة التي يعبر عنها (بلا)، إذا طرأ محفز لها فجأة إذا وصلت به الحالة إلى درجة التوتر، أو درجة ما قبل عدم احتمال قشة أخرى، فإذا أضيفت قصمت الظهر، وهو ما يعبر عنه (بالقشة التي قصمت ظهر البعير) والأب غير المدرك للمتغيرات التي تطرأ على الولد على مدى مراحل عمره وما يلازمها هو الذي سيسمع (لا) بكل درجاتها بتناسب عكسي مع إدراكه، فكلما قل إدراك الوالد ارتفعت (لا) حتى لتصل أن تكون صرخة مدوية عند عدم الإدراك، وأما الأب المدرك لهذه المتغيرات، ففي لحظة عدم إدراك منه سيسمعها، وهنا تكون المفاجأة التي قد تعقد لسان الأب وتبلد مشاعره وأحاسيسه بما يفضى إلى ضربة موجعة لآلة الإدراك والإحساس لديه... وتختلف درجة التأثر من أب إلى أب باختلاف وعيهم وحلمهم وردات أفعالهم، فمن صدمته المفاجأة غير من يهيئ نفسه لأي طارئ أو تغيير!!! وفي كل الأحوال فإن الطارئ هذا شرارة يمكن لها أن تشتعل نيراناً، ويمكن أن تومض ثم لا يكون لها من أثر!!! 
 
إذا الأسمى ولا تمس بسوء أو يقطعها هفوة هنا، أو رفض هناك، ولا يقطعها انفعال ما وإن كان حاداً أو سوء ظن، وإن وقع شيء من ذلك فلا ينبغي السكوت عليه، وإلا كان له أثر كالصدأ يكون هباءات حتى يأكل – بإهماله- الحديد، ويستعصي، وقد يستحيل – عندئذ- الإصلاح أو الحل.. وعند المبادرة بإزالة أسباب الحريق فلا شيء من الضرر يقع، والأمر سهل وميسور، ففي موروثنا الفكري (ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم) فلا يعقل أن يظل الولد متماهياً (على الأقل) مع والده، بل لا يسعد الوالد أن يكون الولد مستنسخاً عن أبيه، وبالتالي لم يضف إلى الحياة فرداً آخر، له إمكانيات وطموحات ومنجزات ومشاعر غير التي لأبيه، ولعل حكمة جدتي أقرب إلى التطبيق وأيسر على الفهم حيث كانت – دوماً- توصى (إن كبر ابنك خاويه) فإن تحقق ذلك بقي صك الأبوة في حرز، ولم تعد العلاقة ما بين السمع والطاعة تلازمية، بل عقلية واختيارية تخضع لمعايير التحسين والتقبيح، ويتحول الولد من تابع إلى صديق، من صغير (في نظر أبيه) إلى كبير، يتصرف كالكبار يأخذ قراراً بلا تردد، ليس مشدوداً بحبال إلى وتدٍ قد يكون محض فرض أو خيال أو وهم، يعوقه عن الانطلاق ويعرقله عن الحركة والإبداع والفعل.

 

إن البشر هم بشر وليسوا بملائكة، هم مخيرون لا مسخرون فيما لهم فيه طاقة، ويقع في دائرة عقولهم ،فإنهم مخيرون فيما يقولون ويفعلون ويعتقدون ويكسبون.

 

وتربية الولد كسب أبيه فليختر له ما يحب له أن يكون، وقديماً قالوا: لا يحب أحد أن يتفوق عليه أحد إلا ولده، وهذه حقيقة فطرية وليست من صناعة البشر، لا يعيش الإنسان لنفسه حتى يأتيه الولد فإنه يعيش له، من فعل ذلك هو السوي، ومن حاد عنه فقد صادم الفطرة، والإنسان كائن يؤثر ويتأثر.. وكما قال المناطقة (لا يدخل الرجل البحر مرتين) ففي المرة الثانية كان غيره الذي دخل في المرة الأولى، فآلاف من المتغيرات قد وقعت له بين المرتين، حتى وإن كان الزمن الفاصل بينهما – بحسب العرف- قليلاً، والأب العاقل لا بد له أن يرهد ذلك وأن يراعيه، وفي المأثور (لاعب ابنك سبعاً وأدبه سبعاً وصاحبه سبعاً ثم أطلق حبله على الغارب) وأي خلل يطرأ في كل حلقة من هذه الثلاث يكون أساساً لما بعدها، ولن يستقيم الظل والعود أعوج، وأي خلل وقع في كل حلقة فالأب هو المسئول عنه، فلا يلومن إلا نفسه، وليتلطف...