بقلم: د. يوسف رزقة
كان العدوان الأخير على غزة في 27/ 12/2008م في طبيعته وصفته يمثل (حرباً هجومية شاملة). وأقصد بالحرب أنه لم يكن توغلاً محدوداً ولا عمليات اغتيال محدودة. وأقصد (بالهجومية) أن العدو هو الذي اختار المواقيت والأماكن المستهدفة, وهو الذي بدأ بالضربة الأولى. وأقصد (بالشمولية) اشتراك جميع أسلحة العدو في القتال براً وجواً. وأقصد بالشمولية أيضاً اشتمال بنك الأهداف على مؤسسات حكومية ومدنية وشرطية وسجون ومصانع ومساجد ومدارس ومزارع وورش وسيارات, وأبراج وشقق سكنية.
لقد كانت غزة في مواجهة غير متكافئة مع (حرب هجومية شاملة) من اختيار العدو وصناعته, غير أن الهجوم نفسه كان (ملجوماً) بعامل الخوف , مما حبس الحرب عن التقدم السريع والجوهري داخل المدن.
لقد حبس الخوف أو قل الرعب حركة الجيش عن التقدم إلى الأمام, حيث يوجد السكان وحيث توجد المقاومة, وحيث تكون حرب المدن هي الخيار المفضل للمقاومة الفلسطينية, التي تعلّمت بالتجربة أن الحكمة العسكرية تقتضي ألا تجعل المقاومين فريسة للطيران.
لم تقع المقاومة فريسة لعلميات الاستدراج إلى خارج مواقعها إلى فضاءات مكشوفة رغم الاستفزازات العديدة, ورغم الحماس الشديد للشهادة في سبيل الله التي أبداها المقاتلون.
وجاء في شريط نُشر في القناة العاشرة قول قائد من (غولاني) لجنوده: (سلاح يوم الدين الذي تريده حماس هو اختطاف جندي. لا احتاج أن أقول لكم هذا. ولكن لن يختطف جندي من (كتيبة 51) بأي ثمن, بأي وضع, حتى لو كان يعني هذا أن يفجر القنبلة اليدوية بنفسه بمن يريد أسره).
هذا هو (الخوف والرعب) الذي لجم الحرب, وجعلها تراوح مكانها على مدى اثنين وعشرين يوماً. وهذا الذي جعل القادة الصهاينة يطلقون النار بكل الوسائل, وعلى كل متحرك, وكانت كلمة السّر بين الجنود في الميدان (لا يوجد قيد على النار). وهذا هو الذي يفسر قتلهم للجندي الأسير الذي وقع في يد المقاومة في الشمال بقصفه وقصف مَنْ أسره بالصواريخ.
إن استراتيجية الهجوم الشامل, والنار بكل الوسائل, كانت في مواجهة حقيقية مع عامل الخوف والرعب من ناحية, ومع عامل الفشل والخضوع للجنة (فينوغراد2) من ناحية أخرى. ومن هنا يمكن القول إن المقاومة انتصرت بعامل الرعب والخوف, إلى جانب انتصارها باستراتيجية استدراج العدو إلى المواقع الحصينة, وعدم التهور بالخروج إليه في المواقع المكشوفة.