لا لن يكون القادم أسوأ

نشر 30 ديسمبر 2009 | 12:20

بقلم:  د. عطالله أبو السبح

   

يتوجس بعض الناس من (بكرة)، ويسرحون في الخيال، ويبعد بهم المزار، ومما يؤسف له أن بعض المثقفين والأكاديميين يرددون ذلك في مجالسهم، كما أن بعض الخطباء يرددونه كذلك، فالغد أسود.. اقتصادياً بإغلاق الأنفاق والحصار، وسياسياً بهذا الانفصال النكد، وجولات التفاوض العبثية، وأمنياً بحرب توشك أن تقع لتأكل الأخضر واليابس، واجتماعياً بهذا التفكك الأسري والمجتمعي، وما يقع فيه من جرائم أخلاقية أصابت ملفات الشرطة والقضاء بالتخمة.  لقد أصبح هذا التوجس سمة زماننا يستدلون عليه بأكثر من دليل وواقعة.  وفي الوقت الذي لا أنفي فيه ذلك ولا أنكره أقول: لو سلمنا جدلاً بوقوعه فلن يكون الأسوأ، بل الأسوأ هو الذي وقع، فمن الجانب الاقتصادي فلنا أن نرجع إلى سنوات ما بعيد تهجيرنا وطردنا من بلادنا، كانت تضيق بنا الخيام التي لا تقي من حر أو برد، فكم من خيمة غرقت وغرق من فيها عند أول نزول للمطر، وإذا ما هبت ريح اقتلعتها وطوحت بها إلى بعيد، بينما يملأ التراب العيون ويسكن الخبز والشعر ولا تستطيع أم أن تجمع أولادها من بين البرد والصقيع هذا الى جانب أن تسعة أعشار العاملين بلا عمل، ولا تكاد تدخل أجواف الصغار إلا فتافيت الخبز الجاف، الذي تجود به الكويكرز او الصليب او بعض افراد الجيش المصري، وأما الطبيخ فلا شيء إلا العدس، والملابس من خرق بالية أو أسمال مهترئة، تجعل من أجساد الصغار والشباب شبه عارية، ولا يتذكر المراهق يوما أخذ في من أبيه قرشاً لسنوات، وفي غالب الأيام يكون حافي القدمين، يعاني سوء التغذية! وهذا لن يكون ولن يكون حتى وإن أغلقت الأنفاق وأحكم الحصار، فلقد تغير الزمان وتغيرت أدواته وإبداعاته،. وأما سياسياً فلن يكون الوضع أسوأ أبدا.. لن يدوم هذا الانفصال، وإن طال فلترسيخ المصالحة على قواعد وأسس أكثر صلابة وأحكم عبارة، ولقد بلغ شعبنا من الوعي ما يؤهله لأن يلفظ هذه العبثيات والطحن في الماء، تلك التي تسمى مفاوضات، ولا يمكن أن يقبل هذا الشعب على نفسه أن يظل يذبح كالخراف بالتغول الإسرائيلي وصوره المنحطة الهمجية، كما جرى في نابلس، ولا بالتنسيق الأمني الذي يأخذ شعبنا رهائن للؤم دايتن وأزلامه وخستهم، فإن هذا الشعب أبي، وقد استعصى دوماً على الانكسار، وهو- دوما- أكبر وأعظم من حكامه إذا انحرفوا، شعاره (الحديد بلي واحنا ما بلينا) و (ليس بعد السجن إلا....... نور فجر يتسامى)، سيعود للمقاومة ألقها، وسيكون لضرباتها صداها ونكالها، وهذا بغباوة الصهاينة الذين – بأفعالهم الإجرامية- يستفزون الصخر. وأما أمنياً، فلن تتكرر حرب الرصاص المصبوب، فإن تداعياتها لم تتوقف، فلقد وضعت الكيان في أخس درك وأرذل موقف، ولن تقود الحية الرقطاء ليفني جيشها مرة أخرى إلى غزة، كما قادته في تلك الحرب المسعورة، فلقد أصابتها شوكة غزة في الوجدان وفي المقتل، كما أن أمريكا المتورطة في العراق وفي أفغانستان ستعد للمليون قبل أن تفكر في حرب مجنونة، لأنها مشغولة في انتشال الآلاف من قتلاها في كل من بغداد وكابل، ناهيك عن مصالحها وقواعدها المهددة،  وحاملات طائراتها التي توشك أن تستعر فيها النيران اذا ما اقدمت على حرب ضد ايران، فضلا عن مخلب الشيطان اليهودي الذي توشك أمه أن تهوي في جحيم المقاومة، وليست حرب جنوب لبنان عنا ببعيد، وكذا حرب الفرقان، لقد ولى زمن الجنرالات المتهورين ( نابليون- كليبر- غورو – الليمبي – شارون ) إلى غير رجعة، وأما عملاؤهم في المنطقة فإلى زوال فسيغور وجه كرزاي عن الوجود. وأما البعد الاجتماعي وإمراضه فلم يخل زمان ولا مكان من الساقطين والمنافقين وعبيد الشهوات الذين لم يستطيعوا أن يلووا عنق التاريخ ولا أن يحرفوا المسير، فلقد كان ثلث جيش أحد منهم، ولكن الفئة المؤمنة القليلة هي التي انتصرت بينما جراحها تثغب دما في حمراء الأسد، هم الذين ثبتوا في حرب الفرقان، ومنهم ذلك الشيخ النحيل الذي لا ينام على وثير فراش, ولا يأكل لذيذ طعام بل مأواه المغارات والكهوف، وملاعبه مسارب الجبال والوديان، ويطارد أمريكا ويجعلها تقف على أصابع قدميها وصفارات الموت لا تكاد تتوقف في أرجاء الدنيا: رعباً وهلعاً من مندوب له أو رسول!  ألا يؤشر ذلك إلى صحوة عارمة في صفوف المستضعفين؟ ألا ترى أن رويعي الغنم ابن مسعود، الذي احتزَّ رأس أبي جهل يعود من جديد؟ فزلزل يحيى عياش الكيان، وطاشت أحلام رابين من بسالة عماد عقل، فكم منهم من بين المتخرجين من مدرسة تاج الوقار؟ لن يكون الغد أسوأ.. ليست تهويمات عاشق ولا أحلام مراهق.. ولكنها فلسفة التاريخ التي تعكس العلاقة الجدلية بين السيف والدم, وبين الكف والمخرز، هي العلاقة الجدلية ما بين الظلم والحرية وهي العلاقة التكاملية ما بين الفأس والزهر، وما بين السكين وحاملها، لن يكون الغد أسوأ، فإن الوعي غير الوعي والطاغوت قد ازداد طاغوتية وصلفاً، كما ازداد الحر عشقا للشهادة.