ثقافة سادية

نشر 30 ديسمبر 2009 | 12:18

بقلم: د. يوسف رزقة

  

يجدر بمن يريد أن يتحدث عن استراتيجية حرب (رصاص مصهور) في السياسة الإسرائيلية، أن يرجع إلى المحاضن الثقافية البعيدة والقريبة التي أنتجت هذه الحرب وشكلت معالمها الرئيسة في الميدان وفي الاستراتيجية على السواء.

 

لقد كانت الحملة الجوية الأولى المفاجئة في يوم السبت 27/12/2009م التجسيد العملي الأول لمبدأ بن غوريون وثقافة المجتمع الصهيوني التي تأسست على القوة العسكرية المفرطة. ففي 30/12/2008م وصف الكاتب الإسرائيلي (يوئيل ماركوس) باراك وزير الدفاع بأنه (عازف ممتاز في المجال العسكري). هذا الوصف جاء بعد أن قتل باراك 250 شرطياً وأصاب 550 شرطياً ومدنياً.

 

يقول (ماركوس) منتشياً: (عمل سلاح الجو ويعمل كما يعرف. ولا أخفى لذتي بخلاف زملائي للهب والدخان الذي يرتفع فوق غزة عندما غمر أعيننا فوق شاشات التلفاز'. ثم يقول – أخزاه الله -: (سلاح الجو عمل على نحو جيد، هذه الوجبة الأولى فقط. لكنها مهما تكن (لذيذة) فهي غير كافية'.

 

(اللذة السادية) التي يستمتع معها صاحبها بالدم والقتل تمثل ظاهرة في استراتيجية القوة التي أسسها بن غوريون وطبقها من جاؤوا بعده.

 

صوت (ماركوس) يمثل القاعدة في المجتمع الإسرائيلي وليس الاستثناء ولا أحسب أنني في حاجة إلى العد والإحصاء وسرد الأدلة، فوقائع حرب (رصاص مصهور) ونتائجها أبلغ من الأدلة الكتابية ومن التصريحات، ومع ذلك لا مانع أن نستمع إلى صوت (آفي رتسون) حيث يقول: (300 قتيل صفقة كبيرة. لا ينبغي التأثر بعدد القتلى في غزة. (معاريف 30/12/2009م ويقول (بن كاسبيت) في الضربة المفاجئة: (نجحت الخدعة نجاحاً جزئياً فقط. في الأصل كان يفترض أن تفقد حماس في الهجوم الاول من 600 إلى 700 من النشطاء لا 250. من جهة ثالثة 250 أفضل من لا شيء) ِ(معاريف 2/1/2009م.)

 

هذه الروح الدموية توشك أن تسكن الغالبية العظمى من سكان (إسرائيل). إن ثقافة القوة، والقتل الذريع، من أجل تحقيق الأهداف الصهيونية، ومن أجل إثبات الذات على حساب الفلسطيني. هذه الثقافة السادية هي التي أنتجت هذه القسوة والفظاعة في الحرب الأخيرة على غزة. وهي الثقافة التي تشكل الشخصية الصهيونية القيادية وتشكل الموقف السياسي والإعلامي أيضاً.

 

لم تكن الحرب على غزة نتيجة مباشرة لانتهاء التهدئة في 19/12/2008م كما يروج له من يكرهون حماس، أو كما يحاول الإعلام الصهيوني تسويقه في الغرب، وإنما كانت نتيجة طبيعية لثقافة (القوة والردع) القائمة على عناصر سادية عنصرية، والتي أنتجت خطة فك الارتباط الأحادي، وكانت نتيجة غير مباشرة لفشل حرب تموز 2006 في لبنان، حيث تعاظمت الدعوات الإسرائيلية لاستعادة الردع الذي أخذ يتآكل، أما ما يذهب إليه كارهو حماس، ومنهم محمود عباس من تحميل حماس والمقاومة المسئولية عن الحرب وقتل الناس في غزة فهو كلام لا يلتفت إليه لأنه من النوع الهابط المزيف الذي لا يقرأ الشخصية ولا يقرأ التاريخ، وعليه نقول لهم: 'فادرؤوا العذاب عنكم إن كنتم صادقين'؟ لماذا قتل السركجي وإخوانه وهم في حمايتكم؟! ولماذا الإذلال الذي تمارسه حواجز الضفة ضد المواطنين ولايتكم؟!