حصاد عام على محرقة غزة

نشر 29 ديسمبر 2009 | 09:41

بقلم: د. عبد الله الأشعل

 

بعد مضي عام على محرقة غزة وفي ذكراها الأولى، ماذا حقق الطرفان: إسرائيل ومعها حلفاؤها والمقاومة ومعها الله؟ حيث أصبح من العبث أن نتحدث عن الفلسطينيين أو الطرف الفلسطيني بشكل مطلق، فالمحرقة كانت عملية مخططة لإحراق أهالى غزة وحدهم حتى تلحظ السلطة وتعتز بأن من معنا في النعيم ومن معهم في الجحيم، ولذلك سوف يكشف التاريخ عن دور الصهاينة العرب الذين اشتركوا أو ساندوا أو أيدوا بشكل أو بآخر حصار وإحراق ومأساة غزة، وقد فوجئت بحديث السيد محمود عباس بالصحف المصرية ووسط الغموض الرسمي المصري والجدل الشعبي المحتدم حول جدار مصر الفولاذي، بأنه دون غيره تطوع ربما بناء على طلب أحد فأيد حق مصر في بناء هذا الجدار. هذا الموقف يمكن تفسيره في حده الأدنى بأنه مجاملة لمصر في قضية شائكة، وقد اعتاد أبو مازن أن يجامل علي حساب شعبه، فلا تزال كلماته في لقاء العقبة الأردني، وفي أول ظهور له مع شارون وبوش وكونداليزا رايس وهو يتباكى على مآسي وفواجع اليهود عبر التاريخ، ولكنه لم يشر بكلمة واحدة إلى الفلسطينيين وما عانوه من مأساة نادرة. وفي الذكرى الأولى لمحرقة غزة نستعرض في إيجاز المكاسب والخسائر التي حققها أطراف الصراع. فمن ناحية المقاومة استمرت على ثباتها، وأن ثورة أهل غزة ضدها لم تتحقق، ومخطط إسرائيل بالقضاء على حماس قد فشل. أما إسرائيل فتقول إنها كسبت الكثير من بينها أنها أفلتت من العقاب وتحارب آثار تقرير جولدستون . وتقول أيضاً إنها اسكتت الصواريخ المنطلقة من غزة، وأنها توصلت إلى تهدئة غير متفق عليها، ولكن بحكم الأمر الواقع احتفظت بها لنفسها بالعبث بأعصاب وأرزاق أهالى غزة. والأهم أن إسرائيل ترى أنها بعد انتهاء مهمتها العسكرية يقوم حلفاؤها بإستكمال أهداف الحملة، فقد استمرت غزة تحت الحصار، واستمر إغلاق المعابر، وتجمد الحديث عن إعمار غزة، كما أن مصر تساعد إسرائيل والولايات المتحدة في منع تهريب السلاح وكل ضرورات الحياة لأهل غزة؛ لأن إسرائيل حققت واحدا من هدفين؛ الأول هو إبادة السكان وهو هدف إستراتيجي للمشروع الصهيوني، ولكنها فشلت في تحقيق الهدف الثاني الإستراتيجي أيضاً وهو التخلص من حماس، ولكنها على الأقل دفعت حماس إلى خط الدفاع في ظروف بالغة القسوة، وحاصرت كل لفتة بدعمها، بل وجعلت قضية منع السلاح عنها قضية دولية، ووضعتها في الكثير من الدوائر في مرتبة المنظمة الإرهابية التي يحظر مساندتها، وهو اتهام خطير في أوروبا والولايات المتحدة، فضلاً عن أنها حرمت المقاومة من أي عمليات ضد إسرائيل، فكرست بذلك مبدأ إطلاق يدها في التهويد. ومن الواضح أن إسرائيل نجحت أيضاً في تعميق الانشقاق بين فتح وحماس، ولذلك يدخل موقف أبومازن من نفق مصر الفولاذي في سياق التنافس مع حماس من ناحية، وتجفيف منابع البقاء لسكان غزة، ولكن هدف أبي مازن يختلف عن هدف إسرائيل فهو قطعاً لايريد إبادة الشعب الفلسطيني، ولكنه يريد زيادة معدل الضغط على حماس حتى تمتثل لما أسماه الشرعية الدولية، وتعني شروط إسرائيل، فهو بهذا الموقف الفريد جامل إسرائيل ومصر والولايات المتحدة، وأزال أي شك لديهم في أن هناك تقارباً بينه وبين حماس أو أن العداء لها قد فتر.

 

في الذكرى الأولى لمحرقة غزة خسرت إسرائيل جوهر المشروع الصهيوني؛ وهو سقوط القناع ودخول المقاومة مع الشعوب العربية على رهان البقاء لهذه الأمة ضد السرطان الصهيوني، كما أن إسرائيل قد خسرت ما يعادل ذلك؛ وهو انكشاف أهم حلفائها العرب الذين لم يستطيعوا تبرير استئنافهم الحرب ضد غزة بالوكالة عن إسرائيل.

 

في هذه المقالة لن نكتفي بمجرد الحساب، ولكننا يجب أن نبين ماذا يجب علينا عمله أمام التهديدات المستمرة، والتي تمنع التوافق بين القيادات الفلسطينية. من ناحية لا تريد واشنطن مصالحة، ومن ناحية أخرى أفلس طريق التسوية السياسية. ومن ناحية ثالثة، أفلس السعي إلى إجبار إسرائيل على أي شيء، كما تجمدت المبادرة العربية التي ولدت ميتة. وفي نفس الوقت لاتزال غزة بين الركام والإحباط، وتحت الحصار الخانق وارتفاع الأسعار وشح الموارد والشعور بالمؤامرة، وكأن إبادة غزة يمكن أن تكون قرباناً إلى الله بعد أن صارت قرباناً إلى الأسياد الصهاينة. والشعوب من خلف الحواجز تغلي، والمعونات ومواد الإنقاذ تتكدس، والمعابر مغلقة بعد أن أغلقت القلوب وجفت منابع الرحمة، وبلغت القلوب الحناجر.

 

المطلوب من الشعوب العربية أن تشكل في كل بلد لجنة للحكماء، وتلتقي كل هذه اللجان للتفاوض مع الحكومات العربية على ما يلي: أولاً، فتح معبر رفح، وإغراق غزة بمواد الإغاثة، وإعادة الإعمار، وإغلاق الانفاق التي يتحمل المواطن في غزة كل تكاليفها، وأن تتحول مصر إلى مساندة أهل غزة مادام القصد الإسرائيلي هو إبادتهم. ثانياً، تشكيل قوات رمزية عربية تحمي شوطئ غزة وتطلق الحرية لسكانها صوب البحر حتى يتنفس السكان نسيم الحرية. ثالثاً، وضع شروط ملزمة للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني، وفضح كل القيادات التي لا تمتثل لذلك بحيث تكون كل المرجعيات عربية. رابعاً، تتفق لجان الحكماء مع الحكومات العربية على شن حملة دبلوماسية عربية ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وإلا تتحمل النظم العربية المسؤولية كاملة عن المأساة الفلسطينية، وأن تدرك هذه النظم ولو بشكل متأخر أن الوقت لم يعد يسمح بالمهاترات والمماطلات والمماحكات بعد أن فاض الكيل وبلغ السيل الزبى.