العالم العربي والخيارات البريطانية عقب قضية ليفني

نشر 26 ديسمبر 2009 | 11:49

بقلم: د. عبد الله الأشعل

 

يَبدو أن بريطانيا تواجه مشكلةً وفضيحة، أما المشكلة فهي تصاعد الحملة الرامية إلى محاكمة المجرمين الصهاينة استنادًا إلى تقرير 'جولدستون' الذي سيظلّ دليل إدانة مهما حاولت 'إسرائيل' أن تحتويه أو تحاربه أو تسقطه من الحساب، كما سيظلّ شبح ضحايا محرقة غزة يطالب بالثأر من أحفاد الهولوكوست اليهودي في ألمانيا.

 

في هذا المسار.. يمثّل صدور قرار اعتقال ليفني وزيرة الخارجية 'الإسرائيلية' السابقة أعلى درجات التصعيد ضد ثلاثي القيادة الصهيوني في هذه المحرقة، وإذا كان إيهود باراك وزير الدفاع قد أفلت في سبتمبر 2009م من الاعتقال؛ لأن حصانته الدبلوماسية وقفت حائلًا بينه وبين القضاء البريطاني، كما تجنب بريطانيا غيره من كبار القادة العسكريين الصهاينة الذين يتردّدون عليها، فإن بريطانيا صارت -يقينًا- كابوسًا للصهاينة بفضل يقظة المدافعين عن حقوق الضحايا ونزاهة القضاء البريطاني.

 

وأما الفضيحة فهي أن هناك افتراضًا قويًّا أن ليفني قد زارت بريطانيا ولم تعتذرْ عن الزيارة، كما تردد في المصادر 'الإسرائيلية' -وحدها- أنه تم تهريبها حتى تفلت من قرار الاعتقال، وهناك دليلان على ذلك: الدليل الأول هو الحدة والفزع اللذان اتسم بهما رد فعل بريطانيا و'إسرائيل'، وكذلك تصريحات ليفني المتسمة بقمة التحدي.

 

والدليل الثاني هو أن أمر الاعتقال لا يصدر إلا إذا تحققت المحكمة أن المتهم موجود بشخصه على الأراضي البريطانية، فقد لوحظ أن وزير خارجية بريطانيا ميليباند تعاطف بشكل ظاهر وبلا تحفّظ مع انفجار الغضب 'الإسرائيلي' كما سمته صحيفة (التايمز) البريطانية الصادرة في 16/12/2009م ووعده القاطع بأنه سيسعى إلى تعديل الإجراءات المؤدية إلى مثل هذه المواقف المحرجة.

 

أما مذكرة الخارجية 'الإسرائيلية' فقد عمدت إلى أعلى درجات اللوم للحكومة وتهديدها لها بأن 'إسرائيل' سوف تحرمها من القيام بأي دور في عملية السلام في المنطقة، ونبَّهت المذكرة 'الإسرائيلية' بريطانيا إلى ضرورة منع ما أسمته 'التجاوز' للنظام القانوني البريطاني ضد 'إسرائيل' ومواطنيها من جانب العناصر المناهضة لـ'إسرائيل'، والتي تمارس الإرهاب الدولي، وكانت عبارات نتنياهو في لقائه مع السفير البريطاني في 'إسرائيل'- والذي استدعاه على عجل- مطابقةً لتصريحات ليفني ومنطق 'إسرائيل' وشعورها بالظلم والإحباط؛ حيث شدّد نتنياهو رئيس الوزراء- والذي لم يتركْ هذه المهمة لوزير الخارجية دلالة على خطورة الحدث القصوى- على أن 'إسرائيل' كانت تتوقع أن تعمل بريطانيا ضد هذه 'الظاهرة اللا أخلاقية' التي تحاول أن تدمّر حق 'إسرائيل' في الدفاع عن النفس، وهي نفس العبارة- تقريبًا- التي انتقدت بها 'إسرائيل' جولدستون وتقريره.

 

معنى ذلك أن 'إسرائيل' لا تزال تصرّ على أن المحرقة كانت دفاعًا عن النفس، وأن محاولات تحقيق العدالة للضحايا ظاهرة لا أخلاقية، ونسيت 'إسرائيل' أنها لا تزال تتعقب وتلاحق من تقرر هي أنهم متورطون في المحرقة اليهودية التي تقوم على رواية يهودية تم تحصينها كالكتب المقدسة ضد أي رواية مخالفة، ثم أكدت 'إسرائيل' لنفسها الحق المطلق في الاتهام والمحاكمة.

 

والحق أن قضية ليفني وضعت بريطانيا في مأزق كما وضعت 'إسرائيل' في محنة؛ أما مأزق بريطانيا فهو أنها عليها أن تختار بين استقلال قضائها واحترام قانونها الذي منح هذا القضاء اختصاصًا عالميًّا بالقانون البريطاني المنفذ لاتفاقات جنيف الأربع والصادر عام 1957م، وبذلك توقظ 'إسرائيل' على الحقيقة التي يجب أن تتجرعها، وهي أن مبدأ الاختصاص العالمي هو أصلًا اختراع صهيوني يهدف إلى إطلاق يد 'إسرائيل' وحلفائها في ملاحقة المتورطين في محرقة اليهود في ألمانيا، بل إن القانون الجنائي الدولي والقضاء الجنائي مدينان لجهودهم، بشرط ألا يطبق إلا على أعدائهم، ويمتنع على غيرهم استخدام القانون والقضاء، مما أدَّى إلى اهتزاز صورة العدالة الدولية أمام كل المراقبين والباحثين.

 

أما الخيار الثاني فهو الالتفاف على القانون والقضاء حتى يفلت المجرمون من العقاب؛ قربة للعلاقات السياسية بين بريطانيا و'إسرائيل'، وقد سبق لبلجيكا وأسبانيا أن عدلت قوانينها حتى تحرم القضاء من تطبيق التزامات هذه الدول في القانون الدولي الإنساني وحتى يفلت الصهاينة من العقاب، وهو الأمر الذي أدانته المنظمات الحقوقية والإنسانية العالمية.

 

في عملية الاختبار يجب على العالم العربي والإسلامي أن يتدخلا وألا يتركا بريطانيا نهبًا لابتزاز 'إسرائيل' والقوى الصهيونية؛ ذلك أن العلاقات الاستراتيجية التي أكَّد عليها وزير خارجية بريطانيا مع 'إسرائيل' لا يجب أن تكون على حساب التطبيق العادل للقانون الدولي أيًّا كانت جنسية الجاني حتى تثق الشعوب في بصيص العدالة المتبقي من جَوْر السياسة والمصالح.

 

وإذا كان لبريطانيا مصالح مع 'إسرائيل' فإن مصالحها مع العالم العربي أعظم خطرًا، وإنه في علاقات بريطانيا مع العرب تصبح خسارة بريطانيا مؤكدةً إذا قرر العرب الدخول في هذا الخيار وحسمه لصالح النظام القانوني البريطاني والعدالة الدولية قبل أن يكون في صالح العرب، خاصة أن بريطانيا هي التي أنشأت 'إسرائيل' وسبق لزعمائها أن اعتذروا للشعب الفلسطيني عما ألحقوه به، أما في علاقة بريطانيا بـ'إسرائيل'؛ فإن الخاسر في هذا الخيار هو 'إسرائيل'، كي تدركَ 'إسرائيل' المدلَّلة أن جرائمها في غزة هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وهذه الصدمة هي التي سوف توقِظ 'إسرائيل'، وتدفعها إلى طريق السلام الحقيقي وعملية السلام الجادَّة، وليس السلام الهزلي الذي تلوّح 'إسرائيل' لبريطانيا بحرمانها من المشاركة في صنعه.

 

أمام بريطانيا أن تضرب مثلًا في احترام نظامِها والتزاماتِها، وتسهم في التكفير عما اقترفته بحق الفلسطينيين والعرب بزرع هذا الخنجر في خاصرة الأمة سرطانًا يُفري جسدها، أو أن تنصاع للضغوط الصهيونية العاتية فتعدل قانون 1957م، بحيث تلزم القضاء باستشارة الحكومة في كل حالة تُربك علاقات الحكومة بحلفائها، وهذا هو الطريق الأيسر ما دام العرب غافلين أو منصرفين عن الأمر.

 

إذا تحرك العرب سوف تكون بريطانيا أهم السوابق، فيعتدل ميزان العدالة وتثمر جهود الملاحقة وتُرغَم 'إسرائيل' على السلام، أما إذا استناموا وراهنوا على غيرهم بدعواتهم وابتهالاتهم، فسوف تجد هذه الجهود محاولات الإفلات المحبطة.

 

وعلى الجامعة العربية أن تتحرك لتنفيذ قرار قمة الكويت الاقتصادية بدعم جهود الملاحقة حتى يعوّض العرب عن عجزهم عن منع 'إسرائيل' من محرقة جديدة قريبًا سيكون تقاعسُهم من أهم دوافعها، وحتى تدبّ الروح في مبادرة السلام العربية، ويأخذ العالم العربي مأخذَ الجدّ ولو لمرة واحدة منذ أكتوبر 1973م.