بقلم: د. عطالله أبو السبح
كثر الحديث عن الأنفاق التي توفر الغذاء والدواء ، في المقام الأول لغزة ثم باقي حاجيات الحياة ، وقد ساهمت الأنفاق في تصليب صمود غزة، وإلا لتوقفت دورة الحياة أمام التعنت الصهيوني ، ولأطبق الحصار على عنق غزة فما استطاعت أن تشهق أو تزفر ، وعندما ولدت الفكرة كانت أقرب إلى طرفة أو أقصوصة من اللامعقول أو الخيال ، ولكنها كبرت ولم تعد طرفة ، واستساغها العقل الفلسطيني ، طورها حتى صارت كخطوط ( الأوتوستراد) أو الأسواق الحرة التي وفرت للفلسطيني حتى الكماليات ، و بها كسر الحصار مما ورم أنف أمريكا قبل أنف (إسرائيل) وقلبها ، و شكل سلاحا في يد غزة تقاوم به العقل اليهودي الذي يدبر ليل نهار كيف ينهي مقاومتها وصمودها ، وإصرارها على الثوابت ، ولم تفلح محاولات عزلها وتجويعها ومن ثم تركيعها ، بل تجدد وجودها واشتد عودها ... مما زاد في حنق أمريكا و(إسرائيل)، وأشعل نيران السخط والعدوان في قلبيهما ، ولأن النفق ذو بابين؛ الثاني منهما في مصر، كان لا بد من التوجه إلى إقفاله من جانبها ، بعد أن فشلت صواريخ يهود وطائراتهم من إغلاقه في الجانب الفلسطيني ، فما كان من مصر إلا أن أهملت لسنة أو سنتين أو ثلاث ، ولم تعره اهتماما في الوقت الذي لو أرادت لكان لها ما تريد !! وقد يكون لذلك أكثر من دافع :
الأول : المحافظة على التزامها الأدبي والأخلاقي والعروبي تجاه غزة خاصة وأن لها معها صهرا ونسبا ، فضلا عن الجوار.
الثاني : إدراكها أن شعبنا مظلوم منذ ما يزيد عن ستين سنة، والمجرمون هو اليهود ، إذن فلابد من تخفيف الظلم عنهم بإغضاء الطرف عن الأنفاق.
الثالث : يقينها بأن نفقا هنا ونفقا هناك لن يؤثر على الأمن القومي المصري ، ولا يعدو عن أنه ممر لإدخال الطعام لجماعة من ( الجياع) كما عبر بذلك الرئيس حسني مبارك بقوله ( ناس جعانة عايزة تاكل ) ثم( لن أسمح أن تجوع غزة) ، ولكن مع تطور الأنفاق إلى خطوط أوتوستراد أمسى هذا الفهم يحتاج إلى مراجعة .
الرابع : استخلص المراقبون من صمود غزة خلال حرب الفرقان وما تصدت به للجيش الصهيوني أن الأنفاق صارت وسيلة لإدخال السلاح والعتاد إليها ، الأمر الذي عزز الرفض الإسرائيلي الأمريكي لها ، فإلى جانب أنها كسرت الحصار فإنها أدخلت السلاح ، وهذا ما يخل بالأساس الذي تجري عليه المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ويصطدم مع الغاية الأهم لدى اليهود والتي تتمثل في إنهاء وجود حماس ، أو – على أقل تقدير- إنهاء قوتها ، وبالتالي كسر ظهر المقاومة.
الخامس : تؤمن الجامعة العربية ، ومنها مصر – من خلال مبادرتها – ألا حل غير التفاوض مع الإسرائيلي ، وبالتالي فإن خيار المقاومة المسلحة مرفوض ، فضلا عن تعزيزه ، وهو ما تتشبث به حماس ومؤيدوها من فصائل المقاومة.
السادس : بناء على ما جاء في (الخامس ) فإن الجامعة العربية لم تعترف بنتائج الانتخابات الفلسطينية اعترافا كاملا ، حتى لا تقع تحت طائلة أمريكا ، بدعوى أنها تؤيد الإرهاب وتدعمه ، باعتبار أن حماس إحدى فصائل الإرهاب وأهمها فلسطينيا ، رغم أن الانتخابات هي الأنزه.
السابع: كان للحسم ( يونيو 2007) الذي أسمته فتح والجامعة العربية انقلابا دور كبير في تعزيز رفض الجامعة لحكومة غزة ؛ أي لحماس ، فأخذت تحكم الحصار عليها رسميا ؛ محاولة منها لإرجاعها إلى بيت الطاعة الذي يملك مفاتحه عباس ، الذي حظي باعتراف الجامعة وتأييدها ومددها.
الثامن : لا تخفي السلطة الفلسطينية حرصها الزائد على إزالة حماس من الوجود ، والعمل لذلك ليل نهار ، وفي السر والعلن ، حتى أصبح التنسيق الأمني – سيئ السمعة- مشروعا ، رغم ما يجلبه من عار على الطرف الفلسطيني فلسطينيا ، ولا تكاد تمر ساعة إلا ويصب الشعب الفلسطيني على رؤوس أبطاله اللعنات ، ولأن حماس ترفض هذا المشروع إذن فهي خارجة عن القانون فلسطينياً وعربياً .
التاسع : عدم اعتراف حماس بـ(إسرائيل) في الوقت الذي تعترف لها به الدول العربية على تفاوت بينها ما بين السر والعلن ، جعل الأنظمة العربية أمام خيار صعب بين أن تفي بالتزاماتها التي وقعت عليها ، وبين من يؤيد المقاومة ويعمل لها و بها ، فاختارت ما يحقق مصلحتها القطرية على ما يتعارض مع ذلك ، وهو ما تمثله حماس.
العاشر : إن التفكك العربي ، والهوان الذي يعتري الحالة العربية يجعل من التعاطف ، مجرد التعاطف ، مع حماس ( رسميا ) أمرا غير متصور ، بل المتصور خلافه ، ولعل الموقف الرسمي الصامت من الجدار ما يؤكد ذلك ، رغم إدانة كارين أبو زيد له ، وهي تمثل مؤسسة دولية ، وهو ما لم نسمع به من زعيم عربي أو مسئول عربي ؛ باعتبار أن بناء الجدار شأن مصري داخلي ، حتى لو أضر ذلك بأهل غزة . وهنا يطرح سؤال نفسه : ماذا بعد الجدار الفولاذي أو السد الفولاذي ؟
نحن أمام احتمالات ثلاث أرجو أن أتمكن من عرضها يوم غد بمشيئة الله ،،