بقلم: د. أحمد نوفل
الحرية في هذا الدين من صميم بنيته، وفي صميم تكوينه، وهي عميقة فيه عمقاً بالغاً أقصى مدى، فإن لم تكن حرية ولا كان اختيارا، ما كان دين ولا تكليف ولا نبوات ولا دعوة. فكل هذا منبن مترتب على وجود الحرية في صميم الفكر الديني.. بل في صميم الدين ذاته. والله تعالى عندما بشّر بالإنسان، علام يبشّر الوجود بمخلوق جديد يعلن عن مادته وأنها 'من صلصال من حمأ مسنون'؟ أمن أجل الصلصال بشّر الوجود؟ أم لأجل الحمأ المسنون؟ وأي مزية جعلت لهذا الموجود الأخير هذه الأهمية الأولى؟ إنها مزية الحرية، أي العبادة بالاختيار. من هذا المنطلق كان السجود لآدم، ومنه كان اختصاص آدم بالخلافة ومنه حمل الأمانة التي عجزت عنها السماوات والأرض والجبال، وأشفقت من حملها 'وحملها الإنسان..'
إن كل هذه الكرامة والأفضلية إنما نشأت من الحرية.. فإن نقضت نقض كل ما انبنى عليها! من هنا كان حرص هذا الدين البالغ على قضية الحرية، لأنها قضية جوهرية أساسية، ليست تكميلية ولا ثانوية ولا هامشية.
وعجباً لبعض المتدينين الذين ينظرون أنه 'لا حرية في الإسلام'! والآخرون منهم والذين ينظرون أن 'لا حقوق إنسان في الإسلام'! وليكن الغرب ما يكون فجوراً أو تغطرساً، فإن الحق هو الحق. الحق أن من أعظم ما أنجز الإنسان حقوقياً وتنظيرياً.. موضوع حقوق الإنسان. ونعلم كم وكيف يستغل الغرب هذه المسألة . لكن هذا لا يلغي أن الحرية قيمة أساسية، وقيمة تكوينية جوهرية في بنية هذا الدين، وليفهم من شاء ما شاء.
ومن عظمة هذا الدين أنه كفل وضمن الحرية الدينية ليس لأتباعه فقط وعلى سبيل الحصر، لا، وإنما قاتل أبناؤه ليحموا حرية التدين والتعبد لغيرهم من أتباع الديانات المختلفة. واستمع إلى قوله تعالى الذي تكرر في القرآن مرتين: 'ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين' البقرة251 'ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز' الحج40 أرأيت كيف قدّم ذكر معابدهم على معابدنا؟ هذه هي الحرية الدينية في أبهى وأجلى وأعظم صورها.
الجبر والاختيار:
ربما لم تأخذ مسألة ما أخذت هذه المسألة من الفكر الفلسفي عند المسلمين وعند العالمين أجمعين. فقد حارت الألباب في هذه المسألة أو المعضلة، وما هي -لو دققنا- بمشكلة ولا معضلة. فقد شاء الله أن يجعل لهذا المخلوق مشيئة، وأراد أن يجعل له إرادة، واختار أن يكون له اختيار،.. ولو شاء لما جعل له أي مشيئة، ولكان جعله كالملائكة يعبد بالتكوين والخلقة والتسيير.. وهذا قوله تعالى: ' وما تشاؤون إلا أن يشاء الله..' إنكم لم تنتزعوا مشيئتكم غلاباً، وإنما ذو المشيئة المطلقة أعطاكم مشيئة على قدر تكليفكم وليس لكم المشيئة الطليقة والإرادة اللامحدودة.. إن الاختيار المطلق للواحد سبحانه: 'وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة' وهنا قد يفهم النص فهماً مستشكلاً، ولا محل لذلك الفهم الملتبس.. فالنفي عن الناس المشيئة المطلقة لا مطلق المشيئة..
فعقيدة القدر لم تكن يوماً معيقاً أو مثبطاً أو عامل حيرة وتردد، إنما كانت دوماً دافعاً للأمام ومدعاة للسكينة والطمأنينة والرضا.
الحرية الدينية من الناحية النظرية والعملية:
لا نظير لما عندنا على الصعيدين: النظري والعملي، فعلى الصعيد النظري اقرأ 'لا إكراه في الدين' 'أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين' 'لست عليهم بمسيطر' واسمع الفاروق 'متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً'. وعلى الصعيد العملي نحن أمة تمر بمراحل صحة ومرض ومع هذا فإنها في حاليها لم تقم أمة مثلها في السماحة.. وأرني مثل سلوك عمر بن الخطاب مع النصارى، وصلاح الدين مع الصليبيين!
تحويل بعض الكنائس إلى مساجد:
عجيب أمر الغربيين في غطرستهم وعدم استحيائهم.. فهم يحولون مساجدنا كل يوم ويتقولون على غيرهم، وآخر محاولاتهم في التحويل المسجد الإبراهيمي، والآن المسجد الأقصى.. ومسجد الحمة السورية ثكنة عسكرية، ومساجد في فلسطين ما بين خمّارات ومستودعات، ونواد..
ولكن هناك كنائس هي رموز سياسية.. وهناك كنائس هي رموز دينية لا تحمل دلالات سياسية.. فهذه هي التي ربما أصاب بعضها التحويل.. وإلا فقل لي من حافظ على كنيسة القيامة؟ أليس الفاروق قد رفض أن يصلي فيها لنظرته البعيدة التي عبّر عنها بقوله: غداً يقول المسلمون هنا صلى عمر، فيتخذونها مسجداً، وحرصاً على ألا يقع ذلك لم يقبل أن يصلي ثَمَّ؟ ولكن كنيسة أياصوفيا مثلاً حولت إلى مسجد لأنها كانت رمزاً سياسياً سيادياً للدولة البيزنطية التي جمعت في قبضتها الدين والسياسة.
والمسجد الكبير في الجزائر، هذا كان كنيسة كانت رمزاً للمستعمر يتحدى بها دين البلد المحتل وشعبه.. فتم تحويله أو تحويلها إلى مسجد. أفكان المطلوب المحافظة على كنيسة هي رمز لحقبة سوداء من الاستعمار والقتل والعسف؟ ثم إنه لا نصارى في الجزائر فهل نبقي الكنيسة رمزاً للظلم وقهر الشعوب؟ هل نبقيها حباً للمستعمر ووفاء وولاء؟ أنبقيها رمزاً لكل ذلك أم ماذا؟
ربما كان هذا حديثاً نظرياً أو ترفاً فكرياً.. ولست أراه كذلك، بل هو تحصين فكري وثقافي، وتأصيل في زمان اشتدت فيه الرياح الهوج تريد أن تقتلعنا من جذورنا. وأقوى الثوابت والمثبتات يقين قائم على الحجة والوقائع: 'يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء' وليس من نافلة القول أن نقول ختاماً ولزاماً: إن صراعنا مع المجرمين المحتلين هو صراع من أجل الحرية.. وهو صراع نبذل فيه الغالي؛ وهو الحياة، من أجل الأغلى؛ وهو الحرية..