فلنتصالح

نشر 24 ديسمبر 2009 | 11:50

بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

لا يمكن أن يظل الوضع الفلسطيني على ما هو عليه من انفصال واستقطاب وشرذمة، لا يمكن أن يظل الفلسطيني يطارد الفلسطيني بلسانه؛ شتماً وطعناً وتخويناً، وبيده؛ مطاردتة واعتقالاً واغتيالاً وتعذيباً، وبقلبه؛ كراهية وبغضاء وحقداً، لا يمكن أن تظل الضفة ضفة، وغزة غزة، ثم ما بينهما شتات وحبوط وانكفاء، لأن كل ذلك سيؤدي إلى دمار ما بقي من الوطن (على حد قول الشاعر أحمد دحبور) بداء بتدمير إنسانه، ويغري به المقاولين وتجار الحروب؛ لأن ذلك سيشظي البيت الفلسطيني؛ إذن فلنتصالح، وعلامَ استمرار الخلاف، أليس من حق حماس أن تدخل م.ت.ف؟ ولا يجادل في ذلك إلا كل غريب عن هذا الشعب، ولا يعمل لتحقيق أهدافه؛ فلقد حققت حماس شرعيتها التاريخية, وقد بلغت سن الرشد وشبت عن الطوق، وغادرت سن المراهقة السياسية التي كان يرميها به بعض الغرباء، كما أنها حققت الشرعية الكفاحية، فلقد أضحت شوكة في قلب الاحتلال، ولعل كل أجهزة الدنيا وما تفوقت به تقنية وجاسوسية و مالاً, لم تتمكن من أن تصل إلى شاليط، كما أنها تدير مفاوضات بشأن أسرى الحرية شد إليها أنظار الدنيا وإعجابها، قال فيه خصومها: إن ما تجريه حماس لا نظير له! كما حققت شرعية شعبية متزايدة، ويشهد لها مهرجانها الكبير بذلك، رغم الحصار والحرب والإعلام، ورغم الأفق المسدود، ورغم ورغم، إذن، وبهذه الشرعيات الثلاث فإن من حق حماس أن تكون عضواً فاعلاً ومقرراً ومشاركاً في م.ت.ف حتى تكون هذه المنظمة صادقة في تمثيل هذا الشعب، فلا يعقل ان تفوز حماس بتأييد ستة أعشار شعبها ولا تشارك في تمثيلهم.

 

أليس من حق حماس أن تشارك في حماية هذا الوطن ضد أعدائه (داخله وخارجه)؟ ألا يصلح رجالها أن يكونوا شرطة ورجال أمن ومخابرات واستخبارات؟ ألا يصلح رجالها أن يكونوا رجال أمن وطني, يذودون عن حمى الوطن، ويفدون ثغوره وحدوده، ويصونون كرامته، وحياة إنسانه؟ لقد أثبتت الشداد أن جند حماس رجال يركن إليهم في المهمات والخطوب، ولهم من الدربة والكفاية ما حققوا بهما ما عجزت عنه دول وممالك على مدار التاريخ وقت الحروب، فما اعتدى أحد أيام الحرب على أحد، يوم أن صب الصهاينة رصاصهم على رأس غزة، إلا حالة واحدة- فيما أعلم- سرعان ما عالجتها بكل حكمة وعدل، فظل مال الفلسطيني وممتلكاته وعرضه ودمه في حصن مصون ومكين! أليس هذه شهادة كافية لأن يشارك رجال حماس في حماية هذا الوطن؟ بلا، ولا يجادل في ذلك إلا غريب.

 

أليس من حق حماس أن تكون شريكاً في كل مجالات العمل الفلسطيني بموجب ما تحقق لها من شرعية؟ فلماذا تكون السفارات حكراً على منتسبي فتح، وكذا القنصليات؟ ولماذا لا  تأخذ حقها في المال الفلسطيني العام، في الوقت الذي تستأثر به فتح ومجموعة من الميكروتنظيمات أو – على حد قول أحد الظرفاء- مجموعة من الفسائل لا الفصائل؟ لماذا لا تكون شريكاً في البناء وصناعة القرار في ميدانيه، والذي يأتي في مقدمتها البناء التربوي، فإن لها من الأهلية ما لا ينكرها إلا غريب، فخبراؤها وأكاديميوها ومفكروها مع نقاء انتمائهم يجعل من تهميشهم وإقصائهم ما يضعف الشوكة الفلسطينية والتخطيط الاستراتيجي الفلسطيني ومستقبل أجيال فلسطين؟ أليس الإقصاء قد أثمر كل هذه المشاعر المتناقضة؟ أليس الظلم والشعور به هو ما يفجر الصدور بالغضب؟ أليس من حق حماس أن تعيش الحرية بكل تفاصيلها؟ وليذهب التنسيق الأمني إلى الجحيم ولتذهب رموزه إلى ألف ألف جحيم، ومن ثم تطلق أيدي أبطال فلسطين لتدفع الاحتلال إلى قعر الجحيم، فلتغر كل صور التنسيق (العار) عن وجه وطننا وإنساننا.

 

إذن فلنتصالح كي يتوحد الصف ولنتصالح كي تتطهر قلوبنا من الضغائن والأحقاد، ولنتصالح كي تكف ألسنة السوء عن الشتائم ومهجور الكلام، ولنتصالح كي نفكر معاً كيف نعمل القدس التي ينهشها الوحش الصهيوني، ولنتصالح كي تغور مذنبات وطحالب أنتنت مياهنا؛ فاضطررنا أن نشرب الماء الآسن العفن، التي تهد قوانا وتسمم دماءنا، وتجعل من أجسادنا مستوطنات للجراثيم والميكروبات والسموم.

 

فلنتصالح كما يريد وطننا أن نتصالح لا كما يراد له أيها المتخاصمون ليس هناك من غالب ومغلوب، فهل تنتصر يمين الرجل على شماله، وهل ترى يسراه ما لا تراه يمناه؟ إن الأمر سهل وميسور إذا قالت فتح لحماس: نعم، شريكاً في كل الميادين، وإذا أقرت فتح بحماس وبشرعياتها. الأمر ميسور إذا نظرت فتح بعين لا ترى حماس شيطاناً؛ فإن شيطنة حماس فكرة إبليسية لا بد من نسفها نسف عجل بني (إسرائيل) حتى وإن كانت من ذهب.

 

إن التمترس وراء شهادة الجودة التي تمنحها أمريكا لطرف فلسطيني أو محور أو تمنحنا (إسرائيل) لا يمكن أن تحقق مصالحة فلسطينية فلسطينية وعندئذ سيكون الطوفان الذي لن ينجو منه أحد.

إن الأيام دول، وكل الذين حادوا داستهم رحى التاريخ، هذا ما قالته لنا ملوك الطوائف، وهو ما قالته لنا الثورة الثقافية، فلقد ذهب ملوك الطوائف بعد أن ذهبت الأندلس، وبقيت الصين بذهاب شين كاي شيك وسطع نجم الثورة الثقافية بقيادة ماو سي تونج. لم تعد هناك هانوي وسايجون، وهذا ما قالته فيتنام، وهو ما قالته لنا خيبر والمدينة بعد أن عادت خيبر إلى أحياض المدينة المنورة. وحتى يتحقق ذلك فإن شعبنا على الطريق.