د. عطا الله أبو السبح
يشرفني أن أطلب يد ابنتك ، ويشرفني قبولك ، لقد قال لي زملائي في المعتقل عليك بفلان إن أردت أن تتزوج ، قال بأبوة : يا صاحبي إن ابنتي صغيرة فلم تكمل السابعة عشر بعد وبالتالي فهي قليلة خبرة ، وابتسم وقال : قلت لها لا أزوجك إلا إذا رضيت بك زوجة لو كنت ممن يجوز لي أن أتزوجها ، وهي الآن لم تصل إلى هذا المستوى ، ولأنك أخي وحبيبي فأنا أساعدك في الاختيار ، والمهر ، أصر الخاطب ، وجاء له بمن لا يرد له طلبا ، وتكرر الحوار والإنذار ، كما تكرر الإصرار ، توسل بكل وسيلة ، لكسر إصرار ( العريس) ولم يزده ذلك إلا مزيدا من الإلحاح واللهفة ، حتى قال إذن ليس عندي مانع إن قبلت هي ، توجه لابنته وصارحها بما كان ، ثم الأمر إليك ، وصارحها بما أعجبه في الشاب وما لا يعجبه ، ووقع الأمر ، لقد تزوجا ، ولم تمض إلا أيام حتى انقلب الحال ، وكمن لقى قاتل أبيه كانت مشاعره تجاهها ، دون أن تسمع لأحد شكواها حتى سمع قصتها كاملة فصرخ صرخة مكتومة : ياه ... سبع سنوات ونصف السنة ، وهو يعاملك معاملة السادة للعبيد ؟ وكيف ترضين ؟ لماذا لم تعلميني ؟ أشارت بأصابعها : والأربعة ؟ قال : ومن الذي حكم بأن ترضي بالذل والهوان الذي تعيشين من أجل أربعة أولاد ؟ ثم إنهم لم يكونوا ، ثم واحدا ، ثم ... ، فلماذا لم تتكلمي في أول الطريق ؟ قالت : كنت أؤمل أن يتغير حاله!! سرح إلى بعيد .. رأى ابنته بعين الخيال ، وهي تضرب بعصا المكنسة ، بالشبشب البلاستيكي على رأسها ، وهو يبصق في وجهها ، وهو يركلها في وجهها وهي وأولادها يتناولون الطعام ، وهو يعنفها لأقل هفوة .. ويسب أباها وأبا أبيها ، ويقذف أمها وأخواتها ، وإخوتها .. وبعد كل جولة يسترضيها ، فلا تملك إلا أن تعبر عن رضاها ... انتابته مشاعر متناقضة .. أيحقد عليها أم يشفق ؟ أيعاتبها أم يوبخها ؟ لماذا صبرت صبر من لا يقبل الضيم و( لا يقبل الضيم إلا الأذلان عير الحي والوتد ) وأفاق على ( ليت الأمر توقف عند هذه الحدود .. بل جاء بساقطة وأرغمني على استقبالها فعندما تبين الأمر لي طردتها ، وتحديته فحاول ضربي فتحديته .. بل ضربته ، وفوجئت أنه ككلب حقير .. وإذا به جبان تافه .. ولكن وقد اعتراني ذهول ، انهال علي ضربا ، هربت وبملابس البيت ، وهأنذا !! غلى الدم في عروقه .. ولكنه صر على أسنانه سائلا ، ماذا تأمرين ؟ قالت : لا أريد الرجوع .. اعتقني ، يمزقها خوفها على أولادها .. هو ذئب حقير .. ولص تافه .. ليس بمؤتمن على شيء !! سرح مرة أخرى ، فانتفض بعد زفرة طويلة .. كيف لو أسقطها في رذائله وفحشه ؟ وأخذ يسأل : لماذا أصر على مصاهرته ؟ أهي غارة على هذا البيت وأهله ؟ ألذلك دافع إجرامي ؟ وإن كان كذلك ، فكيف استطاعوا أن يمسخوه ؟ ثم ، كيف لم يكتشف ذلك ؟ نعم قد يسلب صديقه عقله في لحظة فعطل قدرته على التفكير والتقدير !! لكن هذا ليس مبررا ... أضميره يجلده بلا رحمة .. ولكن الأطفال .. ما ذنبهم ؟؟ هل يمكن لأحد أن يضمن كرامتها إذا عادت ؟ لا يمكن .. جاءه باكيا .. طرده ... استشفع بكل ذي قدر ومكانة ، فأعطاه فرصة ، بعد ألف قسم على ألا يعود إلى ما كان عليه ، رأفة بالأطفال .. ولكن ذيل الكلب لا يعتدل أبدا .. فكان الفراق .. لفظته كبصقة ، واحتسبت الحياة ، واستأنفت رحلة الحياة ... وسياط الحنين لا تزال تمزق وجدانها ومشاعرها ، كم غرقت في بحار دموعها وأشجانها ، ولكن لم تضعف لتعود ، بل رأت فيه عارا لابد من أن تدوسه بحذاء ، وإذا بلي الحذاء فثان وثالث .. ولكنها احترفت تتبع أخبار أولادها .. كبروا .. وكبر همهم في قلبها .. تقف متنكرة – على أبواب مدارسهم .. تراهم – تشرق في دموعها ، وتقطع قلبها آهاتها .. علمت أنه يعذبهم إذا ذكروا أن لهم أما ، رفع أحدهم من أذنه لأنه قال : ( شفت ماما ) تعودت ألسنتهم على إجابة واحدة ( ماتت ) إذا سألهم سائل: أين أمك؟ ، وإذا أنكر السائل موتها ... تركه وانصرف ؛ خوفا من عيونه وجواسيسه، هناك هاجس يلاحقهم : إنه سيعلم ولو من الريح أنهم ذكروا أمهم !! وعندئذ لا ينفع الندم !! الضرب المبرح بالعصي أو بالسياط إلى جانب الركل والمقاطعة .. والتجويع والحرمان .. ما العمل .. يعصف بها إحساسها بالعجز وكذا من حولها .. ليس هناك من حل إلا أن تتزوج عسى أن يكون لها في أطفال آخرين .. سلوى وعزاء ... وقد كان .. ولكن حنينها يزداد اشتعالا .. فتلوذ بصبر عجيب .. تبتسم : كم هو نذل وحقير .. ثم تبتسم أخرى .. سيعودون ذات يوم ..