عانس !!

نشر 20 ديسمبر 2009 | 08:57

بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

لم يكن شيء يعيبها ، بل توفر لها ما يدفع الشباب ( الناجح) إلى التطلع لأن يقترن بها ، ويكفي أنها متعلمة ، وإلى الجمال أقرب، وعلى خلق، يكسوها الحياء العذري الهادئ .. وليست معقدة بل بسيطة ، وتشيع فيمن حولها سعادة وفرحا، فلم تؤذ أحدا قط، وتلقى التقدير من كل من عرفها ، بيتها نظيف وكأن بينها وبين الغبار عداوة مستحكمة، كان يتقاطر الخطاب على بيتها ، منذ أن بلغت السابعة عشر من عمرها، وكانت (بنات) جاراتها يرمقنها بشيء من الحسد ، إذ إن خطابهن أقل عددا ومكانة ، فالناجحون هيئة ومكانة هم خطابها ، ولكن (مفش نصيب) كانت تلازمها ، يأتي الخاطب ، وبعد أخذ ورد يسمع : أمهلنا ليومين أو ثلاثة ، ويمر اليومان أو الثلاثة ليسمع ( مفش نصيب) : فلا يعود ....

 

بنات الحارة يتزوجن الواحدة بعد الأخرى ، أما هي فلا يزال النصيب يعاندها ، كانت تحرص على مشاركة جاراتها ، بشدة ، وتسابق الجميع في إعداد العروس ، وترتيب الفرح ، لتسمع ( العقبى لك ) ولا تأتي العقبى أبدا ، قل - مع مرور السنين- مجيء الخطاب أمها تحبها جدا ، ترفض أن تفقدها ، وتباهي بها الكون كله ، وتجيب من تسألها : ما معنى أن فلانة وفلانة وفلانة ...

 

تزوجن وأما المحروسة فلا ، رغم كثرة الخطاب ؟ فتقول الأم : لو أرادت لتزوجت أسياد أسياد الذين تزوجوا ممن ذكرت ... تفهم السائلة الجواب ( بأنها لا تعجبها العجب ولا الصيام في رجب ) .. ثم ( شايفة حالها ) ثم ( على ايش شايفة حالها ) وأما عند المتعلمات ( وهن قليل ) فهي مغرورة ، و (محدش مالي عينها ) كل هذا وهي لم تسمع سائلة ولا جوابا ، ولا ماذا يقال عنها ، تبدو راضية ، وبمضي السنوات لاحظ البعض عليها ذبولا ، لم يعد ذلك البريق يشع من عينيها ، ولم تعد ضحكتها صافية ولها رنين ، صارت ترمق أولاد صويحباتها بكثير من الحسرة ، تداعبهم بشيء من الدموع !! زحفت إلى محياها بواكير الشيخوخة ... اختلفت أمها – ذات ليلة - مع زوجة أخيها ، فسمعتها تقول : تستقوين بالعانس ( البايرة ) !! اخترقت الكلمة سمعها فأصمته ، لم تعد تسمع شيئا .. وكل الذي شعرت به أنها كانت واعية ، وفجأة غاب وعيها ..

 

وبدأت تستعيد شريط حياتها ... إنها المسئولة عن هذه العنوسة .. نعم كانت ترفض الخطاب لأسباب واهية ؛ هذا قصير ، وهذا سمين ، وذاك طويل أكثر من اللازم ، وهذا أسمر جدا ، وذاك رأسه كبير ، ورأس الآخر أصلع ..

 

تريد زوجا على مقاس يرضي هواها ومزاجها ، لا تعبر له عن رفضها ، ولكن توعز لأمها أن ترفع مهرها بما لا يطيق الخاطب عملا بالقول المأثور ( إذا أردت أن تطرد الخاطب فغلي مهر ابنتك ) وفعلا ؛ لدرجة أنها طلبت من شاب طموح فقير عشرة آلاف دينار ، معجله أربعة ، ومؤجله ستة ، فطفش الشاب ولم يعد ، تقدم العمر .. فأخذت ترفض الخطاب لأنهم متزوجون ، أي سيأخذها على ضرة ، فتصرخ ( على ضرة ؟!) ، أو له أولاد من أرملته ، أو مطلقته ، أو أنه أكبر سنا أو أنه أو أنه .. !!!  

غزا الشيب شعرها .. واشتعل فيه .. شريط ذكرياتها يحرق قلبها .. ها هم أولاد صاحباتها يجتازون المرحلة الابتدائية فالإعدادية ... ها هم في الجامعات .. أمها توفيت... تشبع غريزة الأمومة لديها باحتضان أولاد إخوتها ، أمست خادمة لزوجاتهم ... يعيرنها بالعونسة !!! أو بإبداء اللوم الذي يصل إلى درجة التوبيخ ( لماذا رفضت فلانا ؟ وما هو عيب فلان ؟ ) لو تزوجت فلانا لكان معك ( عر) أولاد .. سمعت أن زميلتها (X) قد زوجت ابنتها ، بكت عندما وصلتها الدعوة .. صوت في داخلها يقول لها : لا تذهبي .. ولكن عقلها غلب الصوت ... فذهبت .. كانت زميلتها – وهي تزف ابنتها – عروسا أخرى ، وأما هي فتأكلها الحسرات .. سمعت إحداهن تقول : الشجرة غير المثمرة حلال قطعها !! خرجت وهي تبكي بصمت .. ولسانها يردد .. حبذا لو قبلت .. بصرف النظر عن الطعم أو اللون أو الرائحة .. ألقت بنفسها في سريرها .. وغرقت في سهاد طويل .