عدالة لم تكتمل

نشر 17 ديسمبر 2009 | 04:20

بقلم:.د يوسف رزقة

  

ليفني هربت. ليفني هربت ثلاث مرات. الهروب الأول كان من غزة بعد فشل العدوان الأخير عليها. والهروب الثاني كان من 'جولدستون' الذي أدان المؤسسة الإسرائيلية العسكرية السياسية بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. والهروب الثالث كان من أمام القضاء البريطاني الذي أصدر بحقها مذكرة توقيف وجلب للمحكمة. ليفني زعيمة المعارضة الحالية تبلغت بجدية مذكرة التوقيف القضائية فقررت الهروب من بريطانيا على عجل. مذكرة القضاء البريطاني تشتمل على أسماء أخرى لمجرمي الحرب الإسرائيليين. الإعلام لم يفصح عن الأسماء. من المتوقع أن يكون باراك وأشكنازي وأولمرت بين قائمة الأسماء التي يلاحقها قادة مؤسسات حقوق الإنسان الدولية.

 

مذكرة القضاء البريطانية أربكت القيادة السياسية في بريطانيا وكذا القيادة السياسية في (إسرائيل). نتنياهو عبّر عن رفضه لملاحقة قادة حرب 'رصاص مصبوب' ولبيرمان هدد بفقدان بريطانيا مكانتها في عملية السلام في الشرق الأوسط. وميلبان وزير خارجية بريطانيا أبدى أسفه للحادث. والنتيجة الأولى تقول لقد أفلتت ليفني من العدالة. ولكن النتيجة الثانية تقول إن ليفني وقادة (إسرائيل) ممن أرتكبوا جرائم حرب 'الرصاص المصبوب' هم اليوم في مواجهة حقيقية مع القضاء المستقل في البلاد الأوروبية. قد يعتذر مليبان, وقد تسن تشريعات داخل البرلمان لإيقاف ملاحقة ليفني وأولمرت وباراك وغيرهم. قد يحدث هذا وغيره بيد الحكومة والمستوى السياسي, ولكن هذا لا يضّر المؤسسة القضائية المستقلة في بريطانيا. القضاء المستقل يعمل خارج إطار السياسة. منظمات حقوق الإنسان رفعت مذكرات كاملة ووافية أمام القضاء تكفي لجلب ليفني وغيرها أمام القضاء. هروب ليفني من التوقيف هو لون من ألوان الفساد السياسي مارسته حكومة لندن ضد القضاء البريطاني وضد منظمات حقوق الإنسان, وضد المتضررين من أبناء فلسطين.  قد يثق الفلسطيني بعدالة القضاء البريطاني ولكنه لا يثق عادة بالحكومة البريطانية التي صنعت المأساة الفلسطينية تاريخياً. الحكومات البريطانية المتعاقبة هي الأكثر مراوغة وإساءة للشعب الفلسطيني.

 

الحقوق الفلسطينية, بل والعربية الوطنية, تحيا في أماكن كثيرة من العالم ولكنها تموت في بريطانيا. بريطانيا بلفور وسايكس بيكو ما زالت هي في  عهد براوف ومن قبله توني بلير. المؤسف أن بلير يمثل الرباعية الدولية في سلام الشرق الأوسط. لقد اعتادت بريطانيا على قمع الحقوق العربية. وإنقاذ (إسرائيل) من ورطاتها الدولية.

 

ليفني اليوم في حاجة إلى المكر البريطاني الرسمي لإنفاذها ومَنْ خلفها من ملاحقة القضاء البريطاني. من المتوقع أن تقدم حكومة براون المساعدة اللازمة لعرقلة إجراءات القضاء البريطاني. ربما سعد ضحايا العدوان الأخير على غزة عند سماع نبأ الملاحقة القضائية البريطانية لليفني, السعادة هذه وإن كانت لفترة قصيرة فهي تعبر عن حالة الأمل التي تسكن الفلسطيني بقضاء عادل يوقف جرائم الحرب ويمنع تكرارها من خلال محاكمة مَن اقترفوا الجرائم بدماء باردة, وقد تكون (إسرائيل) قوية عسكرياً ومالياً, وقد تكون شبكة علاقاتها الدولية واسعة, غير أن دماء الضحايا وحقوقهم وحقوق ذويهم ستبقى الأقوى وستبقى تلاحق مجرمي الحرب, إلى أن تتمكن العدالة الدولية من القصاص منهم, عدالة لم تكتمل اليوم, هي مقدمة لعدالة ستكتمل غداً إن شاء الله .