حدثتني فقالت

نشر 14 ديسمبر 2009 | 12:46

بقلم: د. عطالله أبو السبح

    

كنت صغيرة وشطورة (كما كان يناديني أبي)، يلاعبني، ويستغرق في ضحك متواصل، قهقهات عالية، ثم يضمني بحنان، أشعر- أحيانا – أن عظام صدري تتحطم بين ذراعيه، وأنا على يقين أن أبي هو أقوى رجل في العالم ، أنتظر مجيئه على باب بيتنا الصغير جدا ،والمتواضع جدا، في زحمة المعسكر، أنهال عليه بوابل من الأسئلة ، خاصة إذا رأيت يديه فارغتين ، تتدخل أمي: أرحمي أباك يا ( مشموطة ) ، وتدفعني عنه ، فيقول : أتركيها ، ويطيرني ضاحكا ، وأمي تنظر من بعيد لا تشاركنا حتى بالابتسام ، وصرت ألاحظ أنها كلما خرج أبي تنظر إلي بغضب وتؤنبني أو ( تزغدني ) ، أحاول أن أقترب منها ، فلا ترحب بي ولو بابتسامة ، سكن قلبي الصغير شيء من النفور منها ، قوي مع الأيام إلى عدم استحسان لما تقول أو تفعل ، ثم لا أستحسن منها شيئا أبدا ، ثم إلى كراهية ، وهي في الحقيقة لم تبخل علي بشيء من ذلك ، فلا أجد إلا التوبيخ والشتم أقلها ( يا غبية ) ، ( يا حمارة ) ولا بأس أن تبصق تجاهي ، وأحيانا يصل بصاقها إلى وجهي ؛ كنت أبكي وأنزوي أول الأمر ، ولكن تولد في قلبي الصغير – أيضا- تحد كبير ، أتعمد ألا أطيع لها أمرا ، وإن أطعت فإنني أتباطأ في تنفيذه ، فتصرخ ( اتحركي يا حمارة ) والحمارة لا تتحرك ، إلا على أقل من مهلها !! بخلاف ما كنت أصنع مع والدي ، فإنني أندفع نحوه كالفراشة ، وإذا طلب شيئا فطلبه أمر واجب النفاذ فورا ، أؤديه برغبة وحب زائدين ، وعلى سمعها وبصرها ، وكأنني أعاقبها ، بل أنتقم منها ، قالت لها معلمتي :هذه تصرفات كيدية ، عندما جاءت تشكوني لناظرة المدرسة ، وعلمت فيما بعد أنها أرشدتها كيف تعاملني ، فأنا شطورة ( حسب معلمتي ) ولم تسلم أمي بذلك ، بل تمادت في زجري ، وتماديت في ( حماريتي ) ، حتى ازداد ما بيننا من جفاء ، فسكنني الصمت ، وغادرتني طفولتي ، فصرت ( كالعجوز) التي ترتب غرفتها وأشياءها ، أمشط شعري ، أقلم أظافري ، سرقت ملابسي لأغسلها بنفسي ، شعري – بعد تمشيطي – مشوش ، لم أتردد يوما أن أذهب به إلى المدرسة ، وشيئا فشيئا صرت – أيضا- أحسن ذلك ... عودتني – بإهمالها – لي أن أعتمد على نفسي ...

 

 وكبرت وكبر معي كرهي لها... غياب أبي في العمل، يجعل من حياتي صحراء قاحلة ، حتى سمعته .. جاء ليخطبني .. طرت فرحا ، سأخرج من الصحراء .. وأتخلص من ( يا حمارة ) التي لازمتني لسنوات عمري، كان رقيقا ، مهذبا ، يستحي من ( ظله ) .. أجلس إليه الساعات الطوال حتى ذاب الثلج الذي يجمد أطرافه ، وجدت فيه أبي .. أحببته ، اغتاظت أمي ... ترمقني من بعيد ... ثم أخذت تقترب مجلسنا ... حتى احتلت مكانا – دائما – فيه ، ألاحظ عليها أنها تعتني بنفسها عند مجيئه ، وصارت تعتني بنفسها جدا ، تصافحه ، تقبله ، فالشرع يبيح لها ذلك ، فهو زوج ابنتها ، ومحرم عليها حرمة مؤبدة ، تبدو صغيرة، جميلة جدا ، تزاحمني في الكلام .. تتعمد أن تناديني ( يا حمارة ) و (هذي الحمارة ) ، و (راحت الحمارة ) ، ضاحكة ، وكأنها تمازحني ، كنت أجاريها المزاح بينما قلبي ينفلق ، وعند خروجه ( أدب معها عركة للسما ) وهي تهادنني وتتلطف بي ، مبررة للحمارة أنها تتعمد ذلك لتدربنا على المؤانسة ولتزيل الحرج ، لم أكن أقتنع قط ، بل صار يساورني قلق بأنها أعجبت به ، وتريد أن تستأثر به لنفسها ، ولكن كيف ؟ أليس محرما عليها للأبد ؟ فقلت لنفسي : أسكتي ( يا حمارة ) !! وسكتت الحمارة ، ولكن لم يسكت الشك في صدرها .. صرت أراقبها ... تقفز برشاقة مجرد أن تسمع دقته على الباب ... حتى وإن كانت بلا أكمام ... تصافحه ، تقبله ، وتأمرني فورا .. ( هاتي يا حمارة ... قومي لعريسك يا حمارة ... اضحكي يا حمارة ... ) والحمارة لا تفعل شيئا من ذلك .. يلح عليها خاطر أن ترفسها أو أن تعضها .. وتسرح ، وتتخيل أنها تركب على ظهر الحمارة ، تقفز الحمارة في الهواء لتلقي بها تحت أرجلها وتحطم رأسها ، إلا أنها كانت أسبق مني .. فقد ( رفستني ) برجليها الخلفيتين ، فأصابت قلبي ، حطمته .. لم أجرؤ أن أخبر أبي أنني دخلت بالشاي عليهما وهما غارقان في قبلة .. ! انسكب الشاي على قدمي فحرقهما ... كانت يومها بكامل زينتها ، لم أقو على الصراخ أو البكاء أو الحركة ... تسمرت قدماي ... أفاقا على وجودي .. أقبلت علي ، احتضنتني بحنان ... ولم أسمع منها كلمة ( يا حمارة ) بل يا حبيبتي .. خرجت وأنا أنظر إليها ... ثم أنظر إليه ... لملم كسوفه وخسوفه ... توقف جفوني عن الحركة .. صار دمي ثلجا ؛ فقدت الحركة .. تبلدت حواسي .. ومع الأيام استعدت كل شيء إلا حركة رجلي ... لم تقل لأبي الحقيقة ، وكانت تنظر إلي باستعطاف ورجاء .. عيناها تتوسلان ، ولكنه علم بما جرى ، ليس مني .. لقد استدعته الشرطة – يوما – وأطلعته على ملف التحقيق ... وأما أنا فكما ترى ...