ستة أولاد وأربع بنات، رأت نجوم الليل في عز الظهيرة في تربيتهم، حملت، وزفرت، ووضعت آلاماً تفتت الصخر، تنتهي مجرد أن تسمع صرخة المولود، تتحسسه، ويتحرك لسانها قبل الحمد لله، بسؤال: أولد أم بنت؟ فالرعب يسكنها من بغض زوجها لبنات (حواء) كما يقول، لا ترى وجهه، يقاطعها، لا تسمع منه كلمة تخفف وجعها إذا ما وضعت بنتاً، لا نفقة، لا سلام، ولا كلام...
فيتضاعف حنانها وعطاؤها وحرصها على البنية، تقف بالساعة تدعو الله أن يبارك للصغيرة، ينهمر نهران من الحليب، حتى يفيض عن حاجة الرضيعة، بينما الزوج يملأ الدنيا ضجيجاً وصخباً، ولسانه مدفع يقذف بالصواعق أقلها سب الذات الإلهية للبنت وأمها، ثم (بلوة جابت بلوة)، فتضمها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وكأنها لا تسمع شيئاً، تأخذ في هدهدة الطفلة وتلاغيها، وترى السعادة كل السعادة إذا ما البنية ابتسمت..
وأما الذكور فهم في سويداء قلب والدهم، ومثار فخره، تملؤه البهجة، لا يفتر عن الضحك، ولا يتوقف لسانه عن الكلام الحلو.. يغازلها كعروس، ويتودد لها كما لو كانت أميرته.. كيف اجتمع النقيضان في صدره؟ لا تدري.. كيف يتطاول على الله عند مجيء البنت، ويظلم ويظلم أمها كما لو كان زعيماً عربياً مع شعبه؟!
وإذا جاء غلام انقلب زاهداً شاكراً، بشوشاً، أن يتسلل إلى السوق ليأتي بكبشين أملحين، ويريد أن يدعو الدنيا لتشاركه الفرحة، في تناول طعام العقيقة!! ولكن تعود لسانه على إهانتها بالسب والشتم، ويحرق قلبها، فلا صلاة، ولا صيام، كبر أولادها تباعاً، وتباعاً تشربوا منه قاموسه البذيء، صراخ، وعراك، وفوضى، ترتب البيت فتلخبطه العفاريت، تضع كل شيء مكانه، ولا تجد بعد ساعة أي شيء في مكانه، لا يجتمعون على طعام أو مجلس، الخبز يتناثر في كل زاوية من البيت، فيجرئ العنزات على الوصول إليه أينما كان، في غرفة الجلوس، وعلى السجادة أثر ما آثار الماعز، وفي كل الطرقات تتشابك أجساد الصغار والدواب، وإذا تكلمت أو زجرت يضرب وجدانها زلزال، صادر من صدره الملبد بالبلغم الممزوج بقطران الدخان، وأنفاسه النتنة تملأ الجو زفيراً وزفيراً، هذا إن تحدثت (الأم) إلى الذكور، فكل نصح لهم هو إهانة، فقدت شجاعتها على التربية، والتأديب، ثم نفدت همتها..وداهمتها اللامبالاة..
فتركتهم، فأمسوا كأطفال مشردين.. حفاة، بأثواب متسخة، والسنة أكثر اتساخاً، ستة من القردة لا تلعب إلا في الأوحال، كان يقتلها الخجل، واليوم لا، لم تعد تجيب على أسئلة خالات الأولاد أو عماتهم أو احتجاجاتهن.. وتشير بلامبالاة: اسألوه.. قولوا له.. لم يفلح أحد منهم في مدرسة، لأنه يعدهم إلى مدرسة الحياة، وقبل أن يبلغ كبيرهم عرفت ساقاة الطريق إلى السوق، ترك المدرسة، أخذ يبيع ويشتري سقط الأشياء، ولا بأس أن يعمل عتالاً أو ماسح أحذية.. المهم أن يكون له كيس نقود، لا ينفق منه قط إلا على بطنه، أما أمه أو أبوه أو إخوته فألف لا، كانت تموت ألف مرة.. انتقلت العدوى إلى البنات، شعورهن كأنها طلع الشياطين، يضربهن أبوهن صباح مساء، حتى أمسى بكاؤهن كالجعير، انتشرت في وجوههن خربشات إخوتهن (الرجال) فقدت السيطرة..
الكل يتمرد عليها، لا يسمع لها كلاماً، ولا تدري كيف تتدبر أمر الماعز أو الحمام أو البط.. أو الزوج الهمام، الذي احترف البذاءة والصراخ.. واحترف تزويج أولاده (ذكوراً وإناثاً) وهم بعد في سن الصبا.. لتعود إليه ابنته وقد شوى زوجها جسدها بكرباج (الحمير) ليرفع عنها الظلم، فيزيدها ضرباً وإهانة، ويردها خائبة لترجع إليه مطلقة، لتجد نفسها غارقة في بئر الهوان والحرمان.. ثم الجنون.. وهو يضحك كعواء ذئب.. بناته في نظره كذابات.. وعنيدات.. (بدهن كسر رأس) زي أمهن.. حتى أصابها الضغط.. كم انتصر لها أهلها... وكم وقفوا بجانبها، ولكن لسان حالها قبل لسان مقالها (ولمن أترك أولادي!!) أخذت شواكيش الضغط تضرب رأسها صباح مساء.
حتى ضرب شرياناً دماغياً، ثقل لسانها، فأصبحت محطاً لسخرياته، يهزأ على طريقة نطقها، الأحرف، إذا تأتأت، تأتأ ساخراً بضحكاته الهستيرية، ويقلده أولاده، حتى البنات، لم يرحموا ضعفها، يتدخل أهلها فتأبى، وتصر على البقاء عند أولادها، الذين يتلهون عنها بجمع المال، أو الزوجات، أو الأزواج..
ضربها شاكوش آخر، فشلَّ حركتها.. لم تعد تقوى على المشي.. ولا الوصول إلا حبواً إلى المرحاض.. عامت في بولها مرات،.. رق قلب إحدى بناتها، ولكن منعها زوجها من زيارتها إلا في فترات متباعدة، وأما زوجات أبنائها فمنهن بكاء التماسيح والسخرية والتأفف.. رق قلب أحد أبنائها..
عاب عليه إخوته.. (حرام أن ترى عورتها..) فمن إذن؟؟ تحاول أن تقول شيئاً فلا تقوى، شاردة الذهن، زائغة البصر.. تتمتم كأنها تدعو الله أن يريحها بالموت.. فجأة شهقت، وفاضت روحها.. وفي بيت العزاء تشاجر الإخوة، كلٌ يذكر الآخر بما اقترف.. وأما الذئب فأخذ يعوي بالمزيد، ودموعه تقول له: أنت مجرم...