بقلم: منير شفيق
ما يجري من جانب مؤيدي فرق كرة القدم من مواجهات قد تصل أحياناً إلى الاشتباك بالأيدي وسفك الدماء شيءٌ وكيفية قراءة ذلك الذي يجري وتوظيفه شيء آخر. الظاهرة وما تكشف عنه من عصبية أو عصبيات، تحمل سمة عالمية على مستوى البلد الواحد كما على مستوى البلدان بعامّة، بل وحتى على مستوى القارات.
فمن السمات التي تحكم عشاق كرة القدم ومشاهديها أنهم لا يستطيعون الوقوف على الحياد الإيجابي فيشجعون الفريق الأكثر مهارة وفنيّة أو إصابة الهدف الأكثر براعة، وإنما يذهبون إلى الملعب وقد حسموا انحيازهم إلى حدوده القصوى، فهمّهم الأوحد انتصار فريقهم بعيداً عن كل تقدير للفن والمهارة والروح الرياضية.
ولهذا تراهم أقرب إلى مشهد المعارك العسكرية منهم إلى مشهد لعبة رياضية تجمع أعلى درجات المهارة والبراعة واللياقة الجسدية والفطنة العقلية والاتزان النفسي والروح المعنوية والخطة المتحركة من جهة، ولكنها من جهة أخرى هي منافسة ميدانها الملعب والكرة ولكنها ليست كالمواجهة في ميدان الحرب سلاحها القتل وسحق العدو.
ولكن ما الذي يجعل المنافسة الرياضية في كرة القدم أشبه بالمعركة العسكرية لا من جانب اللاعبين وإنما من جانب محازبيهم ومشجعيهم. فاللاعبون عموماً يطمحون للانتصار عبر مهارتهم وحسن أدائهم وقلّ منهم من يتعدّى الحدود إلى استخدام الأيدي أو الخشونة العدوانية. ولهذا فإن قراءة الظاهرة الشعبية في التعامل مع كرة القدم بكل تلك العصبية والعنفية والخشونة آتية من خارج لعبة كرة القدم ولكن كرة القدم مُفجرة لها، مُحرضة عليها ومناسبة لإطلاقها من عنانها. الظاهرة نفسها وفي كل البلدان تتخذ سمة العصبية والعنف داخل البلد الواحد بل داخل المدينة الواحدة فتنقلب مدن الوطن الواحد على بعضها وتنقلب أحياء المدينة الواحدة على بعضها، بما يُبعد في أغلب الحالات لا كلها عنصر الصراع السياسي أو الأيديولوجي أو القومي أو القُطري.
بل هنالك قصص عن اشتباكات تحدث بين أبناء حارة واحدة تتبارى فرقها على قارعة الطريق أو في ملعب تابع للحيّ نفسه، الأمر الذي يعكس سمة المَيْل إلى الانحياز لأحد الفريقين لدى المشاهدين، أما لماذا يؤدي هذا الانحياز إلى تفجير مشاعر العنف فمسألة تتعلق بِسِمَة المَيْل للانحياز والعصبية في تكوين النفس البشرية أساساً، فهذا المَيْل للانحياز موجود لدى كل إنسان ما لم تكبته أو تحوّله عوامل أخرى تربوية أو اجتماعية أو سياسية أو أيديولوجية. فإذا كان هذا المَيْل (الانحياز) في الطبيعة البشرية كما هو المَيْل للعنف أو البُغض أو فرض الذات وما شابه من ميول طُبع عليها الإنسان فإن الإنسان فُطر، في الآن نفسه، على ما يقابلها من ميول نحو الحب والتوادِّ والتعاون والتآلف والتآخي واللاانحيازية العصبوية، وهو ما تقتضيه السمة الأولى للفطرة وهي التوحيد.
هنا يدخل عامل الوعي والسياسة والأيديولوجية والثقافة ليُغذي ميول الطبيعة البشرية السلبية، أو ميول الفطرة الإنسانية الإيجابية، أو يُقيم الميزان في الحدود التي يذهب إليها كل مَيْل من هنا ومن هناك.
فالحالتان متداخلتان تتواجدان معاً حتى عندما تتغلب إحداهما على الأخرى وتكسو السطح بسيماها، الأمر الذي يؤدي إلى أن تتداولا التغلب والسيطرة على السطح.
وبهذا يصبح عنوانَ الوطنية المصرية العداءُ للجزائر والجزائريين، وكذلك الوطنية الجزائرية: العداءُ لمصر والمصريين. فيا لبديل الوطنية الحديثة لكل من مصر والجزائر وقد قامت على محاربة الاستعمار والمشروع الصهيوني وعلى مناصرة قضية فلسطين ونصرة مقاومة شعبها وقد توّجت برفع لواء الوحدة العربية والقومية العربية والهوية الإسلامية والإفريقية والعالم-ثالثية. ويا لها حين تُمسَخ لتقوم على عداء مفتعل بين مصر والجزائر ليس له من سبب أو أساس.
بالتأكيد هذا الارتداد إلى وطنية تتجلى في العداء لشعب شقيق لا معنى أو تفسير لها غير الإفلاس الوطني القُطري عندما فَقَدَ أُسسه الأولى آنفة الذكر وأخذ يتصدّع من داخله. فها هنا يصبح التعويض انطلاقاً مما حدث خارج ملعب كرة القدم، ويُلجأ لإعادة وحدة داخلية من خلال إثارة العداء ضد شعب شقيق.
ويبقى مكان الوطنية المصرية والجزائرية في مكان آخر غير مكان إثارة العداوة المتبادلة بين مصر والجزائر.