حماس والفن

نشر 07 ديسمبر 2009 | 02:16

بقلم: د. عطالله أبو السبح

       

أول من أمس كان انطلاق المهرجان الدولي للفيلم التسجيلي في غزة المحاصرة، أن تنظم حماس من خلال اللجنة الوطنية للقدس عاصمة الثقافة العربية هذا المهرجان وضع علامات تعجب في أذهان الكثيرين، هل يتأتى ذلك من (المشايخ) ، وهؤلاء (الدراويش)، مهرجان دولي تشارك فيه عشر دول، بما يزيد على مائة وستين فيلماً، لمخرجين دوليين!!

 

إن هذا لشيء عجاب!! اتسمت بأرقى المعايير الدولية في الاختيار والتحكيم، من خلال لجان تخصصية وعلى أعلى درجات الكفاءة والسمعة الدولية، الأمر الذي حظي باهتمام المؤسسة الصهيونية بكل تلاوينها خاصة وأن الأفلام المشاركة تعنى بالإنسان الفلسطيني وما وقع من إرهاب (دولة) تتفوق على الجرائم الدولية التي اقترفها النازيون والفاشيست والشيوعيون والصرب، واعتبرت جرائم التتار وبشاعة تاريخهم فصولاً رحيمة في تاريخ الإنسانية إذا ما قيست بجرائم يهود، فانشالت دولة الكيان وانخبطت أمام هذا الحدث الفريد في المنطقة العربية، ولقد كشف المهرجان عن روح رافضة وأبية تسكن صدر الكثير من أهل الفن في الوطن العربي عامة، وفناني سوريا وفناني مصر خاصة الذين لبوا بسعادة غامرة الدعوة للحضور والمشاركة، وحتى المساهمة في دعم ميزانية المهرجان المتواضعة (جداً) مقابل الملايين التي تذهب هدراً في الإنفاق على الفن الهابط وأفلام الإباحية (وهز الوسط) والتي – وللأسف- يحرص عليها ويرعاها بعض الفلسطينيين!! في حين أن مهرجان غزة هو شهادات على ما وقع على الفلسطيني من ظلم.. قتل.. تحريق.. تدمير.. قطع أوصال.. وفقء عيون.. صرخات.. إصرار.. عزائم.. جرائم يهتز لها الوجدان.. مآذن.. وأطفال تشوى أجسادهم، ونساء يستصرخن الضمير الإنساني، ويهودي يتلمظ وقد امتلأ بشهوة الافتراس ككلب جائع.. ولهذا أكثر من دلالة يأتي في مقدمتها كسر الحصار، فالمهرجان ليس محلياً بل دولياً، وأما الدلالة الثانية، فهو النضال بالصورة والكلمة، إلى جانب الرصاصة، وقد ظل هذا الميدان حكراً على السينما الصهيونية والاستعمارية طويلاً، فلقد استدر فيلم 21 ساعة ميونخ دموع الملايين، وقد عرض الوحشية الفلسطينية، التي افترست رياضيين يهوداً من وجهة نظر صهيونية، ولم يسأل الملايين: لماذا فعلوا؟ وما هي جريرة يهود؟ فتجذرت الكراهية في نفوس الملايين تجاه الفلسطيني وتجذر التعاطف مع يهود، وبقيت (لماذا) بغير جواب، حتى أتى مهرجان غزة الدولي، الذي قد يحمل الجواب، بعرضه الفلسطيني المظلوم، والصهيوني السفاح الشرير، وها هي شهادات الدنيا تنطق بالحق..

 

ثم إن السينما الأمريكية التي تجند طاقاتها الهائلة في محاربة الحق الفلسطيني، وتجعل منه باطلاً، وتعرض اليهودي (سوبر) مما أضر بالفلسطيني، وقلب الحقائق والموازين في أرجاء الدنيا، فإن مهرجان غزة محاولة لعرض الحقيقة بلا زيف أو (مكياج) أو كذب..

 

إن الحرب الباردة التي شهدها العالم، وانحبست لها أنفاسه طيلة خمسين سنة من القرن المنصرم شهدت أيضاً فيلماً كفيلم (دكتور زيفاجو) لعمر الشريف، قد فضح النظام الشيوعي، وشق الستار الحديدي الذي أخفى كثيراً من ظلمها وبطشها، مما اعتبر مسماراً دق في نعشها، حتى انتهى نظامها الحاكم فيما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي، وهذه حقيقة كانت ماثلة في ذهن اللجنة الوطنية للقدس عندما اتخذت قراراً بتنظيمه..

 

إن حماس وهي تؤكد من خلال هذا المهرجان، وما سبقه من استقبالها لأهل الفن، ورجل في قامة دريد لحام أنها تعي ما لهذا الميدان من خطر، وأنه لا ينبغي أن يظل مهجوراً، أو حكراً على الصهاينة، أو مقاولي الفن الهابط.

 

وأخيراً فإن القائمين على التنظيم والإشراف والعمل وفي مقدمتهم الأخ الحبيب د. جواد الدلو، والمخرج الكبير رياض شاهين، ليستحقون كل تقدير وثناء، والتقدير والثناء موصولان للأخ الحبيب الدكتور إسماعيل هنية، رئيس مجلس الوزراء لرعاية المهرجان وتبني حكومته الكامل له.