بقلم: مصطفى الصواف
هكذا تصنع غزة الحياة، عبر معادلة صعبة ولكنها على الشعب الفلسطيني لها طعم آخر ممزوج بالتحدي وتجاوز الصعاب وتحمل الآلام، ورغم الحصار والدمار تخرج غزة من بين الركام وتعيد الحياة كالعنقاء غير أبهة بما حولها في محاولة جادة إلى إعادة الحياة وتجديدها وعدم الاستسلام للموت.
مهرجان غزة الدولي للأفلام التسجيلية، عنوان لهذه الصناعة التي يجيدها أهل غزة خاصة وفلسطين عامة، وهي دليل عافية وحب للحياة بكرامة، وتحد لعدوهم ومن يدعمه، وهذه الصناعة للحياة هي ماركة مسجلة لا ينافسهم أحد فيها في العالم، ولا نعرف أن شعبا في العالم مر بما مر به قطاع غزة يمكن أن يعود للحياة مرة أخرى، وليس الحياة فقط بل تحد وإصرار على هذه الصناعة.
مهرجان غزة الدولي هو علامة فارقة يجب أن لا تمر مرور الكرام وكأنها حدث عابر، قد يكون هناك ملاحظات كثيرة على المهرجان الافتتاحي الذي أقيم أمس الأول في مركز رشاد الشوا والذي حضره رئيس الوزراء إسماعيل هنية وعدد من القيادات الفنية والأدبية والإعلامية في القطاع، إلا أنه إعلان واضح على ضرورة أن يعمل الفلسطينيون بكل شيء، بالمقاومة، بالفن، بالكتابة ، بالرسم، بالإنشاد، بالتصوير، بكل الأدوات لصناعة الحياة.
نعم تمكن الفلسطينيون بتوظيف كل الأدوات خدمة للحياة بكرامة، اشتغلوا بالفن فحصدوا الجوائز العالمية سواء من خلال إنتاج وإعداد الأفلام الوثائقية، أو من خلال القصص الصحفية، أو الصور الفوتوغرافية، والمقام لا يتسع لذكر من حصل على هذه الجوائز فهم كثر، تقدموا ليس بهدف الحصول على جوائز عالمية أو مالية على ما يقومون به في ساحة المعركة؛ لكنهم في المقام الأول هم أصحاب قضية، وهم جنود في الصف الأول في مواجهة العدو، وإن كانوا لا يحملون بنادق؛ ولكن عبر كاميراتهم وأقلامهم وأصواتهم، كشفوا عورة الاحتلال وفضحوه في كل المحافل على جرائمه التي ارتكبها بحق غزة.
مهرجان غزة الدولي للأفلام التسجيلية هو الأول الذي يجري في غزة، غزة التي مازالت تنزف دما، ولازالت تعاني الدمار والخراب الذي أحدثه العدوان الصهيوني على غزة، ينطلق المهرجان ونحن على أبواب الذكرى السنوية الأولى للمحرقة التي ارتكبها يهود في قطاع غزة، والحصار مفروض منذ سنوات، ولم يسمح حتى الآن بإعادة البناء للبيوت المهدمة، كما مازال عدد من الجرحى في المستشفيات، وفي هذا الحال ينطلق عمل فني كهذا المهرجان فهذا يحمل رسائل كبيرة وكثيرة للجميع، وأول هذه الرسائل أن شعب فلسطين وشعب غزة حي ويعشق الحياة، ويحسن صناعتها، كما يحسن صناعة الموت في سبيل الله أولا ثم الوطن والأرض والثوابت.
رسالة غزة واضحة إلى العالم الظالم والذي لم يجرؤ على رفع الظلم عن غزة، ولم يستطع إرغام هذا العدو على السماح لإدخال مواد البناء إلى غزة المدمرة؛ ولكنه يقدر على إشاعة الموت والإرهاب في بقاع الأرض كالعراق وأفغانستان، رسالة غزة فيها إصرار وعزيمة وتحد للعدو، تقول فيها مهما فعلت فلن نستسلم ولن نرفع الراية مستسلمين؛ بل سنخرج لك من بين الحطام بالنار والبارود وبالصدور العارية لو فكرت بالعودة إلى غزة، وهي رسالة إلى كل العرب والمسلمين أننا شعب ننتظركم على أحر من الجمر لنتقدم معا نحو صناعة الحياة لكل فلسطين، ولا تعتقدوا أننا شعب ميت يريد الموت، ولا يبحث عن الحياة، ولكن هذا المهرجان هو رسالة حياة، وليس أي حياة كما يريدها لنا البعض، نحيى بكرامة ونموت واقفين لا ننحني أو ننكسر، وسندافع بالسيف، والبندقية، والفن، والأنشودة، والرسمة، والكلمة؛ والصورة، بكل شيء ولا نستسلم ، فهل وصلت الرسالة؟