بقلم: د. عطالله أبو السبح
في العشرين .. تزوجته .. فرحت به فرح طفل بهدية العيد وكأنه دعوتها المستجابة ، لم تتردد .. إنه هو .. نسيت أنها في أيامها الأولى في الجامعة .. تحدثت عنه لكل الدنيا ... فهو شهم .. مجاهد، يجب علينا أن نكون معهم ، فهم يحملون أرواحهم على أكفهم فداء لي و لك و للوطن ...هالتها هيئته العسكرية ، خاصة و هو يتراكض مع صحبه لصد الاجتياحات ..بشجاعة ... عينه التي لا يرفعها إلى امرأة جعلتها تتمنى أن تكون هي المرأة التي لا ينظر إلا إليها ... لم تنظر إلى مهر ..بل إلى أيسره و فعلاً كان زواجاً ... المودة والرحمة و السكن و الطمأنينة ، كان عذب الحديث ، صــوَّاما قـوَّاما ...هو صلاح الدين ، غمرتها السعادة التي كانت أمنيتها .. حرصت أن تكون جنته ، أليست هي حسنة الدنيا ؟ لم تتحرج من بيتها المتواضع ، ودخله المتواضع ، ولم تشته شيئا ليس في مقدوره توفيره ، و كل الذي تطمح إليه أن يمد في الساعات التي جعلها لها ، هي سعيدة به فحسب ، لا تعنيها بعد ذلك زينة من طعام أو لباس ، بدأ يساورها قلق كلما خرج !! أيعود ؟ ومتــى ؟ لماذا يطول صمته ؟ لماذا يبدو شارد الذهن ؟ تتركه نائماً لبعض أعمالها لتعود إليه مرة و مرة لتطمئن أهو نائم أم فارقته الحياة؟! تحاول أن تدفع هاجساً أن عمر السعادة قصير !! حملتها الفرحة على أجنحة من نور عندما أدركت أنها حامل ، تحدث جنينها : أبوك بطل ...نعم إنها لا تعرف عن بطولاته إلا القليل ...وعندما يرجع تسرد عليه ما حدثت به جنينها ، يأخذ رأسها بين يديه القويتين ، يقبلها على جبينها بحنان تسيل له دموعها بسعادة .
نظرت إلى ساعتها ، تأخــر !! لماذا ؟؟ طال انتظارها ، ازداد قلقها ، ارتفعت دقات قلبها ، هناك اجتياح ، مضت الليلة .. لم يأت ..و مضى النهار و لم يأت !! و ليلة أخرى ...السماء ملبدة بالزنانات ( طائرات التجسس ) لها عيون و ترى المجاهدين فتمزقهم بصواريخها الجهنمية ، فهل رأت صلاح الدين؟ ..أخذت تدور حول نفسها ... تقاطرت على ذهنها معاني الشهادة ... ولأول مرة تغلق التلفاز بقسوة فلقد ملأها الرعب من أنشودة ( يا شهيد ) ، و لأول مرة يمتلئ قلبها غيظا ً على ( المخرج ) الذي يعرض صور الشهداء و أجسادهم و أشلاءهم مع كلمات النشيد وتأوهات المنشد ...صرخت فجأة ..وغابت عن الوعي أو غاب عنها ..لقد استشهد صلاح !!أفاقت على مهرجان الشهيد ..مئات..ألوف ..لم تخجل من دموعها ولا من عينيها الملتهبة ولا حديثها الباكي للجنين ولا من ندائها على صلاح فهو يسمعها !!، و سيأتي بعد ساعة ..لا بل دقيقة ..لا ، ها هو يدخل .. و لم تصحُ إلا على صرخة وليدها بعد أربعة أشهر من مناجاتها الشهيد ، ثم على أصوات المهنئين بعد عام من ميلاد صلاح ( الثاني ) بزواجها من أخ الشهيد ، فشهامته حملته على أن يتزوجها كي لا يضيع ابن الشهيد .. نعم هو يكبرها بعشرين سنة ، نعم بنتاه يكبرانها ، نعم زوجته في مثل عمر أمها ، انتقلت إلى بيت الزوجية !! لماذا يعاملها كما لو كانت الفرخة التي تبيض له ذهبا ، ينهب كل مستحقات الشهيد ، الهبات ، المساعدات ، البيت ، لا وقت لها في حياته ، لا حديث .. هي وعاء شهوته كما قال لها مرات ، أول رجل في حياتها يضربها ، ويبصق في وجهها ، تتفنن زوجته في إهانتها و لسان البنتين كرباجان ، باعت أسورتها لعلاج ولدها ، شفتاها متورمتان لأنها حاولت أن تقول شيئاً .. طردها ..لم يطلقها ..ضربها حتى في بيت أبيها !!
وأمام الناس هو شهم ...فلقد آوى إليه أرملة شهيد
تبتسم بمرارة ، و بهمس ... إنـه نـــذل !!