بقلم: مصطفى الصواف
إن لم نستدركها جميعا عربا ومسلمين ومن قبلهم الفلسطينيون، عندها سنجلس جوار الجدران نبكي كالتماسيح دون أن نحرك ساكنا، القدس اليوم تعيش المرحلة الأخيرة من التهويد ، ورغم ذلك لم نجد أي حراك ؛ إلا بيانات خجولة تهدد وتتوعد لا يعول عليها، ولم نجد ضغطاً على الاحتلال الصهيوني يجبره على التراجع عن مخططات تهويد المدينة، عبر الاستيطان، وتوسيع حدود المدينة، وهدم البيوت بعد منع البناء، وسياسة سحب الهويات بهدف إجراء عملية ترانسفير لسكان المدينة وتفريغها من سكانها الفلسطينيين.
لا يمكن تهويد المدينة وتحويلها إلى مدينة يهودية حتى لو دمر الصهاينة كل المعالم العربية والإسلامية والمسيحية؛ طالما أن هناك فلسطينيين من مسلمين ومسيحيين يعيشون في المدينة ويتكاثرون وينجبون أطفالا ويعادلون الوضع الديمغرافي مع المستوطنين والغاصبين من يهود للمدينة، لذلك سياسة التهجير الآن تسير على قدم وساق ليس بهدف إجراء عملية توازن سكاني بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود، بل من أجل تفريغ المدينة من سكانها بشكل كلي.
لن يقتصر الأمر على المسلمين في المدينة، بل سيشمل المسيحيين لأن اليهود لا يؤمنون بأي أحد، ولا ديمقراطية لديهم؛ بل عنصرية مقيتة، فالتفكير لدى اليهود اليوم هو اتخاذ قرار بمنع الأذان في صلاة الفجر في مساجد مدينة القدس، حتى تصبح يهودية خالصة، هكذا يرى يهود ويجب أن تتوقف كل المظاهر غير اليهودية في المدينة، والأمر ليس مقتصرا على مدينة القدس بل سيكون الأمر منسحبا على القرى والمدن الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة من عام 48، وهذا ترسيخ ليهودية الكيان الصهيوني، فسياسة الأمر الواقع حاضرة، والموقف المضاد غائب، فهي ماضية في التهويد، تغيير الأسماء العربية بشكل كامل منع الأذان في المساجد.
أمام ذلك ماذا نفعل كفلسطينيين وعرب ومسلمين؟ وماذا نقدم للقدس وهي على هذه الحالة وهذه الإجراءات المتسارعة لتهويدها؟
كفلسطينيين على كل المستويات السياسية المختلفة المؤيدة والمعارضة لا نجيد إلا العويل وإصدار البيانات، المقاومة في الضفة الغربية مطاردة وملاحقة من سلطة رام الله والاحتلال، والتعبير عن الرفض من الفلسطينيين في الضفة الغربية عبر المسيرات أو التظاهرات ممنوع بالحديد والنار من قبل الأجهزة الأمنية التي يقودها الجنرال الأمريكي كيث دايتون، والمقاومة ممنوعة وكلاهما سيواجه بالنار والاعتقال.
والسبب يعود إلى أن القدس في حساب حكومة رام الله خارج نطاق التفكير والفعل، وهي لا تعنيهم إلا كمادة للدعاية والتشدق بالعبارات، و لا أحد منهم يجرؤ على الحديث عن القدس، ويكون التحايل بقول القدس الشريف، وهذا سياسيا يعني المسجد الأقصى وقبة الصخرة، أما القدس بالنسبة لهم فهي أبو ديس أو العيزرية.
عربيا وإسلاميا، باتت السياسة المتبعة على مستوى الأنظمة (أنا أولا)، وعلى الفلسطينيين أن يقلعوا أشواكهم بأيديهم، ولسنا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، فقد تنازلوا هم ويريدون منا أن نجري خلف يهود، بذلك تركوا( الجمل بما حمل) كما يقول مثلنا الشعبي، وباتت مقولة (وأنا مالي) هي عنوان المرحلة المتعلقة بالنظام العربي الرسمي، فلذلك لا يحركون ساكنا ولن تهتز لهم مشاعر حتى لو هدم المسجد الأقصى، هذا ليس حال غالبية العرب فقط بل وحال العالم الإسلامي.
والحال كذلك ما هو المطلوب؟ المطلوب أن تكون هناك حملة كبيرة ومتسارعة من قبل الجماهير العربية والإسلامية والفلسطينية نحو السعي إلى امتلاك زمام الأمور، وأن تقوم بواجبها المنوط بها، وأن تعمل على التحرك جماهيريا وماليا لمساندة الفلسطينيين في مدينة القدس لمساعدتهم على الصمود، وتزويدهم بكل أدواته، ثم تحريك الشارع وإحراج أنظمتهم بالتحرك السلمي الديمقراطي حتى لو أدى الأمر إلى العصيان المدني، وأكثر المطالبين بذلك هم الفلسطينيون في الضفة الغربية، الذين يجب أن لا يهابوا سطوة هذه الأجهزة الأمنية وأن يتحدوها ويتحدوا سياسة حكومة رام الله.
المطلب الثاني هو ضرورة تفعيل المقاومة في القدس والضفة الغربية، عبر أساليب المقاومة المختلفة والتي شهدنا منها عمليات الجرافات والسيارات والسلاح الأبيض، وامتلاك الأسلحة؛ لأن الصمت سيقابله الموت، والمقاومة أيضا فيها شرف الشهادة، ولكن ستضع حدا لسياسة يهود، وكذلك الأمر منسحب على الضفة الغربية، وأن يستخدموا كل أشكال المقاومة وسيساندهم في ذلك التحرك الشعبي الكبير الذي سيكسر حالة الجمود والخوف من القتل أو الاعتقال والتعذيب في سجون السلطة، ويجب أن يتحول الحراك الجماهيري في الضفة إلى مستوى العصيان المدني الحقيقي في وجه هذه الحكومة وهذه السلطة.
إن لم نفعل ذلك على كل المستويات فلا بواكي لنا، وستضيع القدس وتهود وإن لم يقتل سكانها؛ فعلى الأقل سيرحلون هم وفلسطينيو الـ '48'، ولن نجد من يقول لا، وسيستسلم الجميع لغطرسة القوة، ونسلم أنفسنا للموت.