د. عطا الله أبو السبح
يحلف علي ألا أخرج من البيت إلا بعلمه، ولا أكلم أحداً إلا أن يرضى عنه ، يمنعني من أداء الصلاة في المسجد ، يهددني بقطع المصروف عني ، حتى الرسوم دفعه بعد أن جف ريقي ورجوته ، فأذلني ، وعندما دفعه أكد لي بأغلظ الأيمان أنه دين في ذمتي ، وعلي أن أسدده من عملي في العطلة الصيفية .. لا يتردد في إهانتي أمام أصحابي ، سألته : أيصلي ؟ قال : نعم ، بل ويدرِّس التربية الدينية ، وهو سعيد باستقامتي ، ولكن الذي يزعجه هاجس لا يفارقه هو أنني سأتسبب في ( خراب بيته) كما يقول، أو خوفا علي من الموت ... حاولت كثيرا معه، فقد رجوت بعض أصحابه فتبين لي أنهم هم السبب في إيغار صدره، وتحدثت مع والدتي، فقالت: أطع والدك، بل أغلظت لي القول بالملامة، وبررت له قسوته بأنه يعرف مصلحتي أكثر مني ، وأنني – ما زلت - صغيراً ... انفجر الغضب داخلي ، فأنا طالب في الجامعة وبلغت مبلغ الرجال ، ومن كان كذلك فإن له أهلية الاختيار ، وله القدرة على التصرف ، إلا أنه لا يقر لي بتلك القدرة ، ولا بتلك الأهلية ، ألجأني إلى الكذب ، والتبرير ، والهروب من استجوابي ، إن صدقت فأنا عنده لم أقل كل الحقيقة ، وإن كذبت مزقني ضميري ، بدأت أعاني من شرود ذهني، حتى في المحاضرات ، كثيراً ما ( يقفشني ) المدرسون وأنا شارد الذهن ؛ أنت سارح ، فأنتبه ، يزداد حرجي ، أدخل البيت كارهاً ، وأدلف إلى فراشي فلا أنام ، لا يفارقني الأرق ، أدرس فلا أستوعب ، أركز فلا أستوعب ، تستبد بي أحلام اليقظة ، يلاحقني في وحدتي، أراه أحياناً يضربني ، أو ينهرني ، فأجفل ثم أفيق على عدم وجوده ، أصبح وجوده في حياتي كابوساً أتمنى الخلاص منه ، لقد سحق شخصيتي ، أبكي أحياناً ، فأبكي لأنني أبكي، أخرج مستجمعاً قوتي ، فإذا رأيته خارت ، إذ يهجم علي بأسئلته أين ذهبت ؟ ومع من ؟ أمع فلان؟ ثم يصرخ قبل أن يسمع الجواب : ألم أقل لك ألا تمشي معه؟ إذن لا تدخل المنزل .. طردني ... لمدة شهر وكالمشردين لجأت إلى بيت جدتي !! أريد أن أكون باراً به .. أتخلص من كذبي عليه!! أريد أن أعيش ( عمري) وليس طفلاً كما يريدني أن أكون معه .. حدثتني نفسي أن أسرق ( من ماله ) إجرة السيارة ... أصابني رعب قاتل من هذه الفكرة ، لست وحدي في المنزل ، فلي خمسة إخوة ، لا يعامل أحدهم بمثل ما يعاملني ، أرى أخوتي في طريق الانحراف ، لا يؤدون الصلاة إلا كذباً ، ألفاظهم نابية ، يقضون أوقاتاً أمام ( النت) ومتابعة المسلسلات والأفلام والأغاني الماجنة ، يجاريهم أحياناً ، وإن تحدثت أمي مع أحدهم؛ ارتفع صوته وزجرها رافضاً نصحها ، وإن تدخلت (أنا) صب والدي على رأسي الشتائم ...
انتهى الشاب من حديثه مبتسماً دامعاً... استمعت إليه بذهول ؟ وحرت كيف أجيب؟ !! واكتفيت بأن أعرض ( المأساة ) كما هي ... قد يقرأها الوالد وأمثاله ، ليرى واقع ولده ومستقبله ، قد يرى سلوكه الذي يرتقي إلى درجة القتل، فيرجع إلى الصواب ، قد يدرك أنه قد قتل رجولة ولده ، علَّه يدرك أنه يهزم إرادته فلا يستقيم للولد أمر ، ويضمر للوالد الشر والرغبة في الانتقام ، علَّه يدرك بأنه يقتل الخمسة الآخرين، بقتل استعدادهم للاستقامة ، ويروي نبتة الانحراف في صدورهم ، وفي كلتا الحالتين صنع له أعداء !! وأختم فأقول : والله إنها مصيبة.