هل من فهم ميسور للإسلام؟

نشر 24 نوفمبر 2009 | 08:43

د. عطالله أبو السبح

الوطن العربي بدوله من حيث موقعه، و كنوزه، و ثروته البشرية يكاد يكون فريدا على الخارطة ، فلا تكاد دولة أو إمبراطورية تتمتع بما يتمتع به هذا الوطن، هذا إلى جانب ما تتسم به شعوبه من وشائج و أواصر  يأتي في مقدمتها وحدة الدين، ووحدة اللغة، وهما شرطان أساسيان في توحيد المشاعر والفهم اللازمين لتوحيد المواقف تجاه القضايا المصيرية والاستراتيجية ، ولكن الأمر مختلف ، فلقد أمسى فهم الدين و تباينات ذلك الفهم سيوفا تمزق جسد  هذا الوطن ... و لعل المتابع لفضائيات تصيبه صدمة قد لا يفيق منها إلا على صوت يهتف به ..
 
أين الحق؟ و أين الحقيقة؟ فالشيخ أبو اسحق الحويني عالم غير منكور لا يتردد في العيب بالشيخ يوسف القرضاوي ، فيتسقط الأول هفوات  الثاني و ينعتها بأقذع الألفاظ ، التي قد تصل إلى إخراجه عن العقيدة و التشكيك في نواياه ... و يصل الأمر ببعض ( تلاميذ السلفية ) إلى أن يصف الرجل بالكلب العاوي ، في الوقت الذي يملأ الرجل الدنيا علما ً عميقاً حواه أكثر من مائة كتاب ، آخرها موسوعته غير المسبوقة في فقه الجهاد إلى جانب رئاسته للعديد من المجمعات الفقهية و المؤسسات الخيرية ، و يقوم بأعمال لا يقوى عليها أولو العزم من الرجال رغم بلوغه الرابعة و الثمانين  ، والأدهى أن ما يتفوه به العالم الحويني يجرئ  فتية  مراهقين  لما يجف لبن أمهاتهم عن شفاههم على الشيخ القرضاوي مستندين إلى رأي الشيخ فيه ، و هذه عينة ، و يأتي في السياق ما يجري على الأرض الفلسطينية من تعدد المشارب فهناك حماس ، و الجهاد و هما حركتان جهاديتان ، تتبنيان الإسلام فكرة و حركة و انقلابا ً من الأحرى أن يكون  عامل الدين يوحد و لكن – للأسف – فهوم الكثير من أبناء الحركتين مختلف يصل إلى أن صبيا ً يصفق باب داره بعنف أحدث صرخة هائلة ليحول دون فرقة من حماس جاءت لزيارة أسرته ضمن مشروع حماس الإنساني الرائع بهدف تعزيز المودة و الاستماع لهموم الناس لتخفيفها  و مشاكلهم لحلها أداءً لواجب ألقاه على ظهرها  قيادتها لهذا الشعب ... وهناك ( جلجلت ) ، و ( رجال الدعوة و مراكزها ) و ( الصوفيون ) و المعجبون بقيادة الشيشان و القاعدة و طالبان و الزرقاوي  ، و هناك المتدينون من الفصائل ( خاصة من أبناء فتح ) و هناك .... و هناك .... حتى أضحت المساجد مقسمة بين أنصار هذا المشرب و أنصار ذاك ، هناك التدابر و التنازع و ما يفضي إلى الفشل ، و هناك المصلون الذين يخرجون من المسجد إذا رأوا فلانا ً يصعد المنبر ، و إذا جلسوا فالتبرم و التمتمة و الغيبة عند الخروج .

فهم الدين المشوه قد يكون سبباً في قطيعة الرحم أو طلاق الزوج لزوجته أو عقوق الوالد أولاده أو عقوق الأولاد والديهم ، وقد يكون سبباً في ضياع حقوق و أكل أموال الناس بالباطل ، و قد يكون سبباً في تفويت عبادات هي أركان في الإسلام ، و قد كثر اللغط أخيراً حول من حجَّ و من لم يحج هذا العام ، يذكرون أن فلاناً حج سبع أو ثماني مرات ، و فلانة ( المسكينة ) لها خمس سنوات تسجل و لكن ( القرعة ) تعاندها ، وأن فلاناً قريب فلان أو زوجة فلان حج و قد أدرج اسمه في آخر يوم ، و لكن كثيراً لم يحظ بذلك رغم محاولات و محاولات ، وقد يجد المسئول مبرراً شرعياً لهذا ( الخلط ) ...إن فهم الدين إن لم يحقق روح الشريعة  فهو عامل هدم و تصديع ، و هذا ما يدعو إلى ضرورة وجود هيئة إسلامية ذات ثقة تجمع العلماء ذوي المشارب و الفهوم المختلفة لوضع حد لهذه الظاهرة ، على أن تكون قراراتها و فتاويها محترمة ، و ليعمل الجميع فيما اتفقوا عليه و ليعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه ، و لا ينكر المخالف على المخالف رأيه إذا كان لديه دليل حتى وإن كان ظني الدلالة ، و ليكن هناك ميثاق شرف أو دستور عمل يحد من التطرف و التعصب  و التسيب و الاجتهاد ممن ليسوا بأهل له ، هي – في نظري – البداية الصحيحة لصياغة فهم يؤلف القلوب و لا يفرقها.