بقلم: أ.د يوسف رزقة
العظمة لله سبحانه وتعالى، تعظيم الله فريضة شرعية واجبة على الموحدين، التعظيم واجب في كل وقت وفي كل مكان، التعظيم يكون في القول وفي العمل، في الصلاة والصيام والزكاة والجهاد والحج، في الحج مشاهد عملية للتعظيم، مشاهد التعظيم يدركها المقربون وذوو الحصافة، معنى التعظيم ومفهومه يدركه المخبتون المقربون، مشاهد تعظيم الله في الحج عديدة، أول المشاهد رؤية الكعبة رؤية عيان، الدعاء المأثور: 'اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً ومهابة، وزد من شرَّفه وعظمه تعظيماً وتكريماً وبراً'.
عظمة المشهد تحرك المؤثرات الإيمانية الكامنة في النفس، العظمة تكمن في الاتباع إيماناً وتصديقاً، الكعبة المعظمة المشرفة المكرمة تنظر إلى المعظمين لله بعين الرضا، رب البيت عظيم، من شروط التعظيم الطهارة من الذنوب والآثام، الطهارة مسألة عملية لا دعوة نظرية، الحج مسكون بالجهاد والتعب، الطهارة نية وجهاد، أول الأعمال بعد النية والطواف والسعي الانتصار على الشيطان وتصغيره وتحقيره ورجمه.
تعظيم البيت الحرام يبدأ بشد الرحال إليه وبذل المال، واستعذاب المشقة والتعب، وتعظيم البيت يكتمل بنسبة ما بزيارة الحرم النبوي والصلاة في الروضة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم على صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
مشاعر العزة والعظمة تغزوك فوراً وأنت بجوار الكعبة ثم وأنت في الروضة، ثم وأنت في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، العظمة التي تشعر بها هنا لا تشعر بها في أماكن أخرى.
تاريخ المسلمين الأوائل مسكون بالانتصارات والعزة والكرامة، كل التاريخ هذا يحضر في مخيلة الحاج عند الزيارة، قصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وقصة خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله عليه السلام يقرؤها الحاج هنا قراءة عملية.
الألسنة تلهج بشهادة البلاغ والأداء وترك الناس على المحجة البيضاء، قصة الخلافة الراشدة، وقصة الفتوح الإسلامية العظيمة تزدحم في العقول والقلوب وأنت تسلّم على الصديق والفاروق رضي الله عنهما، جل الحجيج القادم من البلاد العربية والإسلامية والأوروبية يشعر بعظمة ممزوجة بألم، عظمة التاريخ والماضي، وألم الحاضر والمستقبل تتصارع في النفس رغم مشاعر الإيمان التي تأسر الحجيج.
تعظيم الكعبة يفتح في نفوسنا نحن حجاج فلسطين جروحاً عميقة، الجرح الأعظم هو فلسطين، وبالتحديد المسجد الأقصى، قبلة المسلمين الأولى، وثالث الحرمين الشريفين، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعش الأنبياء، الحاج الفلسطيني يشعر بأن الكمال والتمام في التعظيم للبيت والحرم لا يكون إلا بالأقصى محرراً وسيداً، المعظمون للبيت الحرام بمكة يدركون معادلة العلاقة الجدلية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، الحجاج عامة والحجاج الفلسطينيون خاصة يتساءلون بلغة واحدة: متى يعتز الأقصى؟! متى يتحرر الأقصى؟! تحرير الأقصى أول الواجبات أمام الحجاج، وأقدس الواجبات، من أراد أن يعظم الكعبة جدير به أن يعظم أيضاً المسجد الأقصى.
يجدر بالمسلمين في مؤتمر الحج أن يتدارسوا آليات تعظيم الأقصى، وآليات عجالة لحماية القدس من التهويد، وآليات عملية لتحرير الأقصى، وآليات إغاثة سكان الأقصى وتثبيتهم في مساكنهم، الأقصى في خطر، ولا يكتمل للحجيج عزة الحج وتمام الاتباع إلا باستعادة الأقصى محرراً وإعادته إلى السيادة الإسلامية، الأقصى هو البداية، هو القبلة الأولى، والأقصى هو النهاية في يوم المحشر، وإليه تساق الخلائق وحتى لا نأثم يجدر أن نجعل الأقصى همنا الأول.