بقلم: د. عطالله أبو السبح
عمل درامي جاد استمعت إليه عبر إذاعة صوت العرب ، ضمن سلسلة من المحاكم العربية وملخصه أن صديقا قد غدر بأرملة صديقه وبنتيه كل على إنفراد ، بعد أن بثهن الغرام والحديث المنمق الدافئ، وأنفق عليهن ( دم قلبه)، فأوقعهن الواحدة تلو الأخرى في شباكه ، إلى أن جاءت لحظة الحقيقة، بعد أن صارحت الأم ابنتيها بنيته الزواج منها ، فكان الزلزال الذي ضرب البيت، باعتراف كل من الابنتين لأمها بما فعل معها ، مما دفع الأم إلى أن تدبر له مكيدة تحرق وجهه بالحمض المركز ثم تحتز رأسه بعد أن رفض الاقتران بالابنة الكبرى التي كان قد افترسها ، لقد قدم الغادر خدماته الذئبية تنفيذاً لوصية رب العائلة صديقه !! فحكمت المحكمة على الأم بخمس سنوات سجن فعلي .
كنت مشدوداً وأنا أتابع تفاصيل هذا العمل ، ولم أستهجن أن هذا الصنف من البشر له مكان تحت الشمس ، فلقد مر في حياتنا ما هو أفظع من ممارسات قد انمسخ أصحابها عن الفطرة، فتحولوا إلى وحوش كاسرة ، تهتك أعراض الناس ، وتيتم ، وتدمر بيوتاً ، وتمزق أواصر ، وتلحق العار بأناس أبرياء ، وكل جريرتهم أن الحاجة قد دفعتهم في طريق أولئك الوحوش ، قد تكون في الحصول على عمل، وصاحب النفوذ يجد في ذلك فرصته ، فيتسلل إلى مشاعر فريسته حتى يوقع بها ، غير آبه لحرمة، أو طفولة، أو شرف فيدوس الحرمات ، ويمزق شمل الأطفال عن أبويهم ، ويدوس الشرف بفعل قبيح، إشباعا لنزوة آثمة عابرة ، وغريزة بهيمية لا ترجو لله وقاراً ، هناك ثلاثة لا يقل أحدهم إجراما عن الآخر هم ؛ الزوج والزوجة وذلك الذئب البشري ؛ فأما الزوج فلقد أهمل وظيفته ، إذ لم يرعَ حاجات زوجته ولا حقوقها ولا آمالها وأحلامها ، فالمرأة شحنة من العاطفة، لا بد لها من إشباع لتشعر بالأمان والدفء ، ولا يحتاج ذلك إلا كلمة رقيقة ، وابتسامة عذبة ، وهمسة تشعرها بأهميتها ، المرأة تحتاج إلى من يصون كرامتها فلا يهينها ، وتحتاج إلى من يعينها على مواجهة الحياة ، فهي تمر في حالات ضعف بشري وإنساني ، ستنهار لا محالة إن لم تجد السند ، وأين تجده إن لم يكن زوجها هي في حاجة إلى من يشبع مراكز اهتمامها ،ولو بأقل الأشياء ، قميص بسيط ، أو زجاجة عطر ، أو حتى شيئا من المال، تنفقه في أمورها الخاصة ، فإن لم تجد كل ذلك من زوجها ووجدته من غيره أسلمت له قلبها ، ثم جسدها ، لا شك أن الزوج هنا مجرم ، أما هي فهي مجرمة كذلك ، إذ لم تزن الأمور بميزان العقل ، فما قيمة كل ذلك إذا فقدت كرامتها وشرفها ؟ وما قيمة كل ذلك إذا فقدت صغارها وألبستهم ثوب العار ، وما قيمة كل ذلك إذا نكست رأس ذويها ؟ وما قيمة كل ذلك إذا اقترن اسمها بالرذيلة والفاحشة ، قديما قالوا ( تموت الحرة ولا تأكل بثدييها ) نسيت في لحظة غاب فيها عقلها وحكمتها أن حياة الإنسان بلا شرف هي حياة كلاب بل أضل ، ولو سألت نفسها عن معنى الخيانة، لعاد إليها عقلها وحكمتها ولكن عند فواتهما، لا ينفع بكاء ولا ندم، وأما ذلك الغدار فلا تقل جريمته عن جريمتهما، هو العدوان والدناءة واللصوصية والحقارة ، ليس له مبرر حتى عند الساقطين من أمثاله ، قد يهزون له أذنابهم ويزينون له أعماله ، وقد يكونون له ( قوادين ) طمعا في قرار أو ترقية أو مال ، ولكن حديثهم في غيبته حديث السفلة عن سافل، فلا توقير ولا احترام ولا مهابة ، هذا إلى جانب ما يجنيه على نفسه، من دمار وضياع واحتقار وازدراء ، لقد كانت الحلقة مثيرة ومعلمة لمن أراد / ت الاعتبار.