بقلم: مصطفى الصواف
أرقام مخيفة يطرحها برنامج الغذاء العالمي.. عدد الجياع أكثر من مليار نسمة يتوزعون على أكثر من 70 دولة في العالم.. ورقم آخر يقول إن هناك طفل يموت كل ثانية في العالم نتيجة الجوع، والأغنياء من دول العالم يغيبون عن هذا المؤتمر لأنهم لا يريدون مؤتمرات لمناقشة الجوع في العالم, ولأنهم سيواجهون حرجاً من الدول الفقيرة التي ستتهمهم بالتسبب بهذه الحالة من الجوع التي وصلت إليها شعوب العالم، ثم هم يهربون من أي التزام أمام هذا المؤتمر المنعقد في قلب أوروبا، وكذلك عدم التفكير في البحث عن حلول لوقف هذه الكارثة العالمية.
مؤتمر روما المنعقد هذه الأيام لن يتعدى دوره في هذه الحالة إلا مزيداً من قرع الأجراس والتنبيه إلى مخاطر الجوع على مستقبل البشرية، وقضية الجوع لن تتوقف عند موت الجياع ولكنها قد تدفع هؤلاء الجياع إلى التفكير بأي طريقة من أجل سد رمقهم بما يبعدهم عن خطر الموت, وقد يكون هذا الأمر باباً من أبواب العنف في العالم، وهو في هذه الحالة مبرر.
الجوع كما يقولون ( كافر), والجوع ناتج عن الفقر، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه 'لو كان الفقر رجلا لقتلته'، واستمرار الجوع والهروب من البحث في إيجاد حلول خلاقة له سيشكل كارثة على السلم والأمن الدولي، وعلى دول العالم أن لا يكتفي بالمؤتمرات من أجل الخطابات واللقاءات والقبلات والنوم في أكبر الفنادق وتناول أشهى الماكولات وهم يبحثون همٌّاً اسمه الجوع.
ولعل التجربة الإسلامية من أرقى التجارب التي شهدها العالم في مواجهة الفقر, وفي توزيع الثروة بين الناس, ومبدأ الزكاة والصدقات من المبادئ التي كفل بها الاسلام تحقيق العدالة الاجتماعية, وتقليل حدة الفوارق بين الناس لأن ولي الأمر لو وجد أن الزكوات والصدقات لا تفي لسد حاجة الناس وإغنائهم عن السؤال، يمكن له أن يفرض ضرائب جديدة على المجتمع من أجل تحقيق العدالة وتقليل الفوارق وسد حاجات الناس الملحة، ما يؤدي إلى إشاعة أجواء المحبة والتعاون بين الناس وبعضهم البعض، فليس من المنطقي أن يعيش الفقراء على مزابل الأغنياء، وأن يموت بعضهم جوعاً بينما يموت بعض الأغنياء 'بطراًً' و' تخمة'.
ولعل ما نواجهه نحن في فلسطين من حصار واحتلال وتضييق وملاحقة وفقر وقلة موارد كان كافياً أن يقتلنا جوعاً، ولولا الله أولاً ثم هذه الجمعيات الإسلامية الإغاثية والتي أدركت أهمية الإغاثة في تزويد قطاع غزة وبقية فلسطين بإغاثات عاجلة تساعدهم على البقاء والصمود في الحياة، ولو تداعت المؤسسات الإسلامية الإغاثية والخيرية وفق مفهوم العدالة الإجتماعية في الإسلام ومبدأ الزكاة والصداقات, والتي لو نفذت من قبل المسلمين كما أراد لها الله لما وجدنا في بلاد المسلمين محتاجاًو ولما وجدنا مظاهر الجوع التي نراها أحيانا وهي أقل بكثير من الدول غير الإسلامية كما في أفريقيا أو آسيا وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يشاهد الفقراء يلتقطون طعامهم وشرابهم من حاويات القمامة, أو ينامون بداخلها وهم من يطل عليهم فئة المشردين.
لابد أن تسعى دول العالم ومنظماته الدولية المعنية بمكافحة الفقر والجوع ونشر العدالة الاجتماعية في العالم في أن يدرسوا جيداً مفهوم الإغاثة في الإسلام, وأن يعملوا على تطبيقها بما يحقق نوعاً من التوازن في المجتمعات المختلفة والمسؤولية الإنسانية هي مسئولية شاملة وليست مقصورة على بلدان دون بلدان, ولكنها تقع على عاتق الدول الغنية بشكل أكبر.
مشكلة الجوع والفقر مشكلة يمكن أن تعالج ويمكن القضاء عليها لو كان هنالك شعور إنساني من قبل الأغنياء نحو الفقراء، وكان هناك تضامن مع البلدان التي تتعرض لكوارث إنسانية وأن تكون عمليات الإغاثة مستدامة ولا تنتهي في موجتها الأولى, ويجب أن تستمر حتى زوال السبب الذي أدى إليها, بذلك نعمل على وضع حلول ولو جزئية لهذه المشكلة العالمية التي باتت تهدد المجتمع الدولي والإنساني, وربما تؤدي إلى حدوث نوع من فقدان الأمن والأمان في العالم.
هذه القمم الدولية إذا لم تعمل على وضع استراتيجيات حقيقية للتفكير في حلول إيجابية تتعاون فيها كل دول العالم ستبقى دون فاعلية, وستكون مجرد قمم 'تهريجية' ومضيعة للوقت وملهاة للشعوب, ولن تقدم أي حلول لتجاوز الأزمة.