بقلم: د. عطالله أبو السبح
كان يمشي برأسه المفلطح, والسحنة المقلوبة, والشفتان المتورمتان, منفرجتان دوما على فم كبير, يعلوه أنف متهيج يدعو صاحبه إلى هرشه, بطريقة منفرة, حيث يضعه في مقعر كفه ثم يضغط عليه بحركة دائرية, كان في الرابعة والعشرين أو أكثر قليلاً, سريع الانفعال, يسب الدين لأتفه الأسباب , ولا يحلو له الهتاف إلا خلال أداء ( الشيوخ) الصلاة رافعا عقيرته (فليسقط أحمد ياسين رمز التبعية) يرددها ثلاثة أو أربعة ممن هم على شاكلته , كان يستفز الصخر, وإذا ما شكاه الشيوخ إلى مسئوليه ارتفع صوته بأقذع الألفاظ والتحدي حالفاً بالطلاق المغلظ أنهم (أي الشيوخ جواسيس) فيعود الشاكي كسيف البال, إذ لا خيال له إلا الحوقلة والاستغفار والحسبلة, وإن سأل لماذا لا تسكتونه؟ كان الجواب دوماً.. هو معذور, فقد طلبت له النيابة سنوات كثيرة, فهو ملك المولوتوف, فقد رجم الدوريات اليهودية بأربعة أرجزات منها, فحرق, وأصاب, ... ليعود الهتاف.. والاستفزاز من جديد.. كل شئ ينبئ عن انحراف مزاجه وشذوذ مسلكه.. أحد عقلاء تنظيمه يقول سراً, لا يمكن أن يكون هذا سليماً أمنياً.. وصدق حدس الرجل.. هي أسابيع حتى أسفر التحقيق مع أحد العملاء عن اكتشاف شبكة كان هو أحد أكبر مجرميها, وللصدمة أن معظم من فيها هم مسؤلو التنظيم, وأما كبيرهم فقد كان أحد كبار التنظيم والذين كان لهم الدور الكبير في:
1- توتير العلاقة بين أفراد التنظيم أحدثت تمزقاً وشكوكاً واشتباكات بالأيدي وأحالوه إلى شلل متصارعة متناكفة
2- فقدان الكثير من ممتلكات الأفراد من ملابس وأحذية ودخان... سرقات في الليل وسرقات في وضح النهار, وقد تنوعت الصور, فمن اتلاف للمسروقات إلى وضعها سليمة في حقائب الغير وعند البحث يدان صاحب الحقيبة بالسرقة, وعليها ينبذ بعد عقاب, وتلاحقه العيون بالاحتقار والشماتة
3-إرباك الجمع بالنكات البذيئة والضحكات المجلجلة الساخرة الماجنة واستضعاف صغار المساجين ليكونوا خدماً لصاحب الجلالة ملك المولوتوف , أما على الصعيد الفصائلي فقد برع الملك في ممارسات يعجز عنها إبليس أهمها:
1- استفزاز مشاعر الآخر( وخاصة الشيوخ) تجاه معتقداتهم ودينهم, بسب الذات الإلهية , والدين, وبأعلى صوته حتى يكاد ينفجر رأس (الشيخ) مما يسمع.
2- الاعتراضات المتلاحقة على الوضوء والطهارة بدعوى تبديد المياه, ويصل الأمر به إلى العدوان بالضرب على صغار الشيوخ حال الانفراد بهم.
3- التندر والسخرية من لحى (الشيوخ) وعباداتهم.
4- الاحتجاج الصاخب على أية فعالية بدعوى أن إدارة السجون ترصد المناضلين بهدف التنكيل بهم لأن (هؤلاء) يكرهون اليهود.
كانت أياما من أشد الأيام حلكة وسواداً, لم ينعم مجتمع الأسرى بوجود الملك بأي استقرار أو هدوء, والويل لمن يعترض.. فترى المنظرين والمدافعين عن الحرية الشخصية, وأنه –في أحسن الأحوال- مضغوط نفسياً لما ينتظره من حكم, انكشفت الشبكة, وخضع أفرادها للتحقيق الداخلي, وانهار الملك, ونطق (بالهوايل) من إسقاط في مستنقع العمالة والرذيلة لعدد من الشباب والشابات, إلى القتل العمد لأربعة من شباب الانتفاضة, إلى إبلاغ ضباط الأمن اليهودي عن أسماء النشطاء وأماكن سكناهم- إلى ممارسة الرذيلة والدعارة في مواخير يهود, إلى الإدمان على المخدرات بيعاً وشراء وتعاطياً إلى تفكيك خلايا تنظيمية بعد تشكيلها وتسليمها للأمن اليهودي , إلى إثارة الضغائن والأحقاد في أوساط الناس, إلى التشكيك في أعراض الناس أو هتكها, إلى قمع بعض الشرفاء وردعهم بدعوى أنهم عملاء... ثم انتهى به الأمر إلى السجن لممارسة كل ذلك داخله, تحت إشراف ضابط يهودي وتوجيهه.. انهار الملك فأصبح جرذاً مرعوبا ولكن هل توقف تفريخ الملوك.. وهل أغلق المناضلون الجحر الذي لدغوا منه, لا فإن لكل زمان ملكا وفي كل مكان ملوك .. فهل لأجهزة الأمن من خطة علمية دقيقة للقضاء على هؤلاء؟... هو ما ينبغي أن يكون...