الهروب في الاتجاه المعاكس

نشر 12 نوفمبر 2009 | 08:37

بقلم: مصطفى الصواف

 

بعد أن فشلت خطوة محمود عباس التي أعلن عنها أنه لن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة، في تحقيق ردة فعل في الاتجاه الذي كان يسعى إليه عباس من لفت انتباه أمريكا و(إسرائيل) بعزمه ترك الحلبة السياسية، وعلى (إسرائيل) أن تواجه حماس وغيرها من القوى الفلسطينية التي ترى في المقاومة وسيلة لتحقيق الأهداف الفلسطينية، بعد أن فشل في تحقيق سياسته المرتكزة على التفاوض سواء نتيجة التعنت الإسرائيلي، أو بسبب تخلي الإدارة الأمريكية عنه وعن مشروعه، ويحاول الآن عباس البحث عن سهام جديدة في جعبته ليزيد من درجة الانتباه الفاترة التي قوبلت به خطوته السابقة.

 

ما يجري في وسائل الإعلام القريبة من حركة فتح وعباس من ترويج لبعض المواقف التي قد يقدم عليها عباس في الأيام القادمة، وعندما يحين الوقت المناسب كالاستقالة من مركزية فتح واللجنة التنفيذية، أي الانسحاب من الساحة السياسية وكل متعلقاتها، هو يصب في نفس اتجاه التصريحات التي أطلقها كبير المفاوضين في منظمة التحرير، صائب عريقات، وهو يلوح بورقة حماس في وجه الإدارة الأمريكية و(إسرائيل)؛ رداً على خطة موفاز للتحاور مع حماس، وفيها إن لم تعيدوا التفكير مرة أخرى في سياستكم وتدعموا مشروع عباس السياسي فالقادم حماس. تفكير سطحي وأهوج ولكنه محاولة للهروب في الاتجاه المعاكس، واستجداء رخيص، وفيه هروب واضح من الحقيقة؛ وهي أن التفاوض في موضوع القضية الفلسطينية تحديدا لن يؤدي إلى نتيجة تحقق مصالح الشعب الفلسطيني، لأن الصراع بين الفلسطينيين ،نيابة عن العرب والمسلمين، واليهود هو صراع ديني إحلالي وليس استيطانياً قد يزول لو تحققت بعض المصالح للمحتل، لذلك سياسة التفاوض عقيمة واللجوء إلى الأمم المتحدة والقرارات الدولية مضيعة للوقت، فهناك قرارات لها عشرات السنوات ولم تر النور ولن تراه.

 

لذلك نرى أن محمود عباس قد يجد نفسه محشورا في الزاوية وتتحول مسرحيته الهزلية إلى حقيقة واقعة، وكل هذا الصراخ لن يجدي نفعا، فقد انتهت ورقته التي لعبت بها الإدارة الأمريكية و(إسرائيل) برهة من الزمن، وهم الآن يبحثون عن ديكور جديد يرتدي أكثر من ثوب أولها ثوب الوطنية، ولن يكون هذا الديكور هو سلام فياض، ومن يسمع عما دار في المجلس الثوري لحركة فتح حول سلام فياض يدرك أن هناك شخصاً لدى حركة فتح في ثوبها الجديد جاهز للدفع به في الساحة السياسية بعد كتابة الوفاة السياسية لمحمود عباس، رغب بذلك أو أجبر بطرق غير مباشرة، وسلاح الإدارة الأمريكية مختلف عن السلاح الذي استخدم في التخلص من ياسر عرفات.

 

من خلال كل ما ينشر فإن هدفها ترويج بعض الأفكار حتى تدفع صناع القرار في العالم لإعادة التفكير في قراراتها، ولكن يبدو أن محمود عباس يلعب في الوقت الضائع، وبعد تورطه الكامل في التبعية التي وصلت إلى أن تخلى الشارع الفلسطيني عنه، وهذا أُدرك في أعقاب تأجيل جولدستون، وأعتقد أنها النقطة الفارقة التي ارتكزت عليها الإدارة الأمريكية في التخلص من عباس بعد أن عرته من أي ورقة توت تستر عورته في الناحية السياسية، وبات غير مرغوب به.

 

نظن أن محمود عباس في النزع الأخير، وأن لعبة التمنع رغم الرغبة لن تعد تجدي نفعا، وان القرار الدولي اتخذ، والفرصة بدت سانحة، وما يفعله عباس يوضح ضحالة فكره السياسي، والذي لم يعمر كثيرا في الساحات السياسية العربية، وها هو يترنح يمنة وشمالا، والسقوط واضح من فوق العرش بل كل العروش، ولكن يبدو أن الإدارة الدولية لن تحقق سياستها في صناعة شخصية جديدة هي في الأساس مكشوفة للشعب الفلسطيني، وما بين يديها من أموال لن يخدمها في الوصول إلى قناعات مؤقتة للشعب الفلسطيني ، ومن الواضح أن القضية الفلسطينية تعود إلى أصولها الأولى ، وأننا نمر في مرحلة مخاض عسيرة ولكنها في نهاية المطاف سوف تنتج حالة تعيد الزخم الكامل للقضية الفلسطينية، وفيها تجلية واضحة للطريق نحو تحرير فلسطين رغم السواد الكثيف الذي يكتنف المنطقة، والإدارة الدولية لن تجد مجالا أمامها إلا الانسحاب من الميدان والتخلي عن بعض الأطراف والتي ستشكل في النهاية مرجعيات سياسية تدعم حالة التحرر الفلسطيني.