«يا محمود يا عباس .. لا تتنحى أنت الأساس»

نشر 11 نوفمبر 2009 | 02:37

بقلم:  ياسر الزعاترة


عنوان المقالة أعلاه كان أحد الهتافات التي صدحت بها حناجر الجماهير التي اصطفت على جانبي الطريق في استقبال موكب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أثناء زيارته لمحافظة الخليل التي تُعرف بوصفها المعقل الأساسي لحماس ، حيث فازت الحركة بجميع مقاعدها خلال انتخابات المجلس التشريعي مطلع ,2006

 

و قام الرئيس بالتبرع لعدد من المؤسسات في المدينة ، منها مبلغ 30 ألف دولار لمجلس طلبة جامعة الخليل ، ومثلها لمجلس طلبة جامعة بولتكنيك فلسطين ، وللجمعية الخيرية الإسلامية ، 10و آلاف دولار لجمعية البر والإحسان ، ومثلها لمنتدى حلحول الثقافي.

 

الأكثر إثارة للدهشة في هذا الذي يجري هو أننا إزاء رجل لم يكن يوما معنيا بالتأييد الجماهيري ، بل ولا حتى بالتنظيم ذاته (أعني فتح) ، لكن السلطة ساحرة بكل المقاييس ، ومن يتذوق حلاوتها سيكون من الصعب عليه التخلي عنها ، فكيف إذا اندمجت مع الثروة ، سواء مباشرة أم من خلال الأبناء والأقرباء؟،

 

ما جرى يؤكد ما ذهبنا إليه من أن إعلان الرئيس عدم الرغبة في التنحي إنما كان لونا من ألوان البحث عن التعاطف في ظل فشل لعبة المفاوضات إثر التخلي الأمريكي عن شرط وقف الاستيطان من أجل بدء المفاوضات.

 

ويبدو أن الفيلم الذي تابعناه كان بديلا عمليا اقترحه المستشارون الشطار عن إعلان وصول المفاوضات إلى طريق مسدود (يضاف إليه مطالبات من المجلس الثوري واللجنة المركزية لحركة فتح ، المجلس الوطني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بعدول الرجل عن قراره) ، والسبب أن إعلان الفشل لا بد أن يتبعه جواب واضح عن سؤال البديل ، لاسيما أن سائر العقلاء سيشيرون بشكل بديهي إلى خيار المقاومة ، حتى لو ذهب آخرون في سياق بهلواني إلى حكاية الدولة الواحدة ، والتي يبدو تحقيقها أصعب بكثير من فرض الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة عام 67 ، لأنها من الناحية العملية تفكيك للمشروع الصهيوني برمته ، ما يعني أنها تحتاج إلى عمل نضالي كبير ووضع عربي ودولي أفضل بكثير من الوضع القائم حاليا.

 

ولأن الرئيس وحاشيته لا يؤمنون بخيار المقاومة ، وربما لا يرغبون فيه إذا أردنا الدقة تبعا لثمنه الباهظ ، فإن الخيار المتاح كان يتمثل في ترتيب مسرحية تثير تعاطف الناس مع الرئيس ، مع منحه بيعة جديدة من أجل الاستمرار في ذات النهج القديم.

 

هل لاحظتم مثلا أنه في خطاب إعلان عدم الرغبة في التنحي قد هجا حماس أكثر من هجاء الإسرائيليين بكثير ، مع تركيز على تحسّن الوضع الاقتصادي في الضفة؟ لم يحدث ذلك مصادفة ، بل هو جزء لا يتجزأ من تكريس النهج القائم ممثلا في التفاوض واستمرار التفاوض ، مع العمل على تكريس واقع الدولة المؤقتة والسلام الاقتصادي بحسب رؤية نتنياهو والاجماع الإسرائيلي (انضم كاديما إلى ذات المسار عبر الرجل الثاني في الحزب شاؤول موفاز) ، مع العلم أن الدولة المؤقتة هي في الأصل مشروع شارون (مؤسس كاديما) تحت مسمى 'الحل الانتقالي بعيد المدى'.

 

اليوم يجري ترويج هذا الخيار من خلال حديث الإسرائيليين عن مخاوفهم من مشروع سلام فياض لدولة الأمر الواقع التي ستعلن خلال عام 2011 ، وذلك بسبب إمكانية حصولها على اعتراف دولي ، لكأن الاعتراف المذكور سيغير في حقيقة بقائها حكما ذاتيا تحت ولاية الاحتلال في كل شيء يتعلق بحاجاتها الأساسية.

 

من هنا ، فإن القادم بات واضحا كل الوضوح ، فالدولة المؤقتة بتسمياتها وتخريجاتها المختلفة هي المسار المتاح في المدى القريب ، من بقاء الخوف من وجود مسارات تفاوضية سرية لا نعلم عنها (على طريقة أوسلو وجنيف) تخرج لنا باتفاق مشوه يمكن لنتنياهو تسويقه على الإسرائيليين ، ويبدو أن روحية هذا الاتفاق لن تغادر وثيقة جنيف وملحقها الأمني.

 

الرئيس إذن لا ينوي الرحيل ، والانتخابات لا تزال مجهولة التاريخ من الناحية العملية ، بينما يواصل المصريون العمل على ضم قطاع غزة إلى اللعبة عبر حكاية الحوار والمصالحة ، فيما مسلسل (دايتون - بلير - فياض) ماض في طريقه في الضفة ، أما الرئيس فسيواصل جولاته في المدن والقرى مستمتعا بهتافات الجماهير بحياته ومديح قيادته التاريخية.