بقلم: د. عطالله أبو السبح
قبل سنوات طويلة كنت مولعاً بقراءة الأدب العالمي، و كانت تستفزني فلا أنام – في الغالب – إلا وأنهيت قراءة قصة ضخمة كالبؤساء أو آنا كرنينا أو الشيخ والبحر ... حتى وقعت (الفاشلون) في يدي للأديب الإيطالي لويجي يبرانديللو ، وكل الذي أتذكره منها أنها تتحدث عن مهندس موهوب يتقن الكثير من المهن، و لكنه ينام جائعاً، و ليس في بيته كسرة خبز ، وأما جاره الذي يعمل زبالاً فيحيا حياة المترفين ...والسر في ذلك أن الأول لم يتفرغ لمهنة واحدة فيعرفه الناس بها ويقبلون عليه ، فيكسب منها رزقه، و بذا كان حاله تعيسا ً فقيراً معدماً ، وأما الثاني فقد تفرغ لمهنته، فعرفه الناس بها، فأخذوا يطلبونه ، و لا يكاد يتسع وقته لتلبية طلباتهم ، كما لم تتسع جيوبه لما يدفعون من أجر ... أعجبتني القصة جداً و تذكرت المثل القائل ( سبع صنايع و البخت ضايع ) ...و للحقيقة ، فإن النموذجين موجودان بكثرة في مجتمعنا ، فهناك الكثير من أمثال مهندس بيرانديللو كما أن هناك من أمثال زبـَّـاله.
فأما الفريق الأول فيصرف يومه في القيل والقال والنقد الهدام واللاذع و الحط من أقدار الناس، وتخوين العاملين، و التهوين من أقدار نجاحاتهم وفي ثنايا ذلك سب الزمان ( الذي يمشي بالمقلوب ) و الذي جعل من ( هؤلاء الشحاتين ) أصحاب مال و أما أنا ( ....) فهذا كما ترى !! ثم ينتقل إلى الحزبية والوساطات, ليلعن سلسفيل أبي القائمين على الأمر, الذين نسوه حتى من الكوبونة, وأنهم يوزعونها على المحاسيب والأنصار وعلى (بعضهم البعض) ولا ينقضي يومه إلا ولم يترك جدارا يعتب عليه(لماذا لم تسند ظهرك اليوم علي؟) وللأسف الشديد فإن هؤلاء كثير, احترفوا الشكوى والتبرم والذم والحسد بدرجاته والنميمة والغيبة, فتراهم مكروهين, منبوذين, طفيليين, قد حبسوا أنفسهم في زنازين الوهم و الأمجاد الكاذبة, فهم عالة على المجتمع, يرهقونه بأثقالهم و شكاواهم.. و لو أفاقوا ووظفوا ما يحسنون لكانت لهم مكانة غير المكانة, و كرامة غير الهوان.
وأما الفريق الثاني فأولئك الذين لا يأنفون من عمل أي شيء, فكل عمل شريف, إلا ما كان حراما, مهما كان ذلك العمل؛ اسكافيا كان أو ماسح أحذية عتالاً أو حفار قبور, فكل ذلك لازم لدورة الحياة, لأي مجتمع, وكما قال المعري: الناس للناس من حضر و بادية بعض لبعض و إن لم يشعروا خدم.
هي الحياة التي لا يمكن أن يديرها مهندس فحسب, أو طبيب فحسب. فالمهندس في أمس الحاجة لفريق يعمل تحت إشرافه؛ لينشأ البناء أو المصنع, أو تدور الآلة, ولولاهم لما كان المهندس مهندسا. والطبيب كذلك في حاجة إلى طاقم كامل لإجراء العملية, ولولاهم ما أجريت و بهذا أجاب (فولتير) على سؤال؛ لماذا تقول: كتبنا هذا الكتاب, و ألفنا و نشرنا ووزعنا, إذ قال: لقد اشترك في هذا العمل كل من الطابع ومشغل الآلة والكهربائي والموزع، فأنا وهم جميعا قمنا بهذا العمل ولست وحدي هو العمل الجماعي الذي لا غنى فيه لأحد.. عن أحد و هو العمل الذي لا ينبغي لأحد أن يترفع عنه مهما دق أو صغر ليحيا الوطن. أليست الحرية هي نتاج عمل جماعي ؟ أكيد: بلى ... وهذا ما لا يعرفه الفاشلون.