عباس والبحث عن الشرعيات

نشر 10 نوفمبر 2009 | 08:23

بقلم: أ‌. نبيل فرحان الزايغ

 

في أعقاب هزيمة يونيو حزيران عام 67م خرج القائد الملهم ليعلن أمام الجماهير تخليه عن أي منصب رسمي، أو دور سياسي، وأنه سوف يعود الى صفوف الجماهير يؤدي دوره من خلالها كأي فرد- كانت تلك هي المسرحية الأكثر إثارة للشفقة والسخرية – خرجت الجماهير على إثرها تهتف بحياة القائد العظيم وتطالبه بالعدول عن قراره ، ونسيت الهزيمة وآثارها وأسبابها والذين وقفوا خلفها ، وعاد القائد المهزوم – دون خجل – الى منصبه أقوى مما كان عليه قبل الهزيمة .. تلك هي أمّتنا .. ( تكرّم المهزوم ، وتهتف للمخادع ).

 

انتهت تلك المسرحية منذ أكثر من أربعين عاماً لكن بقايا فصولها، وتبعاتها، وآثارها ما زالت ممتدة حتى يومنا هذا، والسيناريو الذي كُتب لها يستخدم اليوم من جديد وبنفس الأسلوب ونفس الأدوات .. الرئيس (المنتهية ولايته) محمود عباس يعلن أنه لن يرشح نفسه للانتخابات القادمة .. اللجنة التنفيذية ' المحنّطة ' تجتمع لتطالب عباس بالعدول عن قراره، وإعادة ترشيح نفسه مرة أخرى (فلا طعم للحياة بدون عباس). في نفس اليوم تخرج مسيرة من المنتفعين' كمبرس المسرحية ' للسبب ذاته ، أما وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون فكانت الأكثر صراحةً ووضوح ، فأعلنت أن إدارتها سوف تتعامل مع عباس على كل الأوجه وفي جميع الأحوال . .والشيء المهم الذي يجب أن نذكره هنا هو أن عباس ما زال يعاني كثيراً من موضوع الشرعية التي افتقدها منذ انتهاء ولايته مطلع هذا العام ، وإسرائيل بطبيعة الحال لا ترى فيه شريكاً يمكنها الاعتماد عليه في التوصل إلى اتفاق بشأن الحل الدائم والقضايا الجوهرية، ناهيك عن أن الإدارة الأمريكية تراجعت عن وعودها والتزاماتها بشأن تجميد الاستيطان، ومن المرجح أن يعود 'أوباما' للضغط على عباس مرة أخرى للقاء 'نتن ياهو' قريباً للتخفيف من الضغط الداخلي الذي يتعرض له داخل المجتمع الأمريكي، ورفع أسهمه المتهاوية، وطبعاً عباس لن يصمد ساعة واحدة في وجه الضغوط الأمريكية والإسرائيلية ؛ لأنه لا يملك إرثاً نضالياً يستند إليه ، ولا قاعدة شعبية داعمة ، فضلاً عن مصالحه الاقتصادية ومصالح أبنائه لدى إسرائيل، لذلك فهو يبحث عن شرعية لاستمراره كرئيس بأي ثمن ، وهذا ما يفسر توقيعه على الورقة المصرية بدون تفكير. فهو لا يريد من هذه الورقة سوى البند المتعلق بالانتخابات ، فإذا فاز في هذه الانتخابات أدار ظهره للورقة المصرية وللمصالحة ، وإذا لم يفز فيها عاد من جديد إلى مربع (الخمسة بلدي) تماماً كما فعل في اتفاق مكة .

 

الانتخابات لو تمت حسب الورقة المصرية فإنها سوف تتم تحت ظلال سيف التجويع والحصار المسلّط على رقاب الناس في غزة ، وسيف الترهيب والتزوير في الضفة 0 إذاً في كل الأحوال كانت حماس ستخرج خاسرة لو وقّعت على الورقة المصرية وأعطت عباس شرعية مجانية تمكّنه من لفّ حبل المشنقة حول رقبة حماس وبقية قوى المقاومة .

 

فشل ميتشل هذه المرة في الإيقاع بحماس من خلال الورقة المصرية ، وكعادته لجأ إلى الخطط البديلة، فأعلن عباس(بطل المراسيم الرئاسية)أنه سيجري الانتخابات في 24/1/2010م . هو يدرك بأن غزة ستكون خارج لعبته الانتخابية ، أما الضفة فهو يعتقد أنها طوع أمره – إما بالبلطجة كما هو حال الانتخابات المصرية، أو بالتزوير كما هو حال الانتخابات الأفغانية – المهم هو إعلان النتيجة في نهاية المطاف وبطبيعة الحال تتكفّل أمريكا والاتحاد الأوربي بالاعتراف بالنتيجة، وبذلك تكون الإدارة الأمريكية وإسرائيل قد حلّت عقدة شرعية عباس ، وبعدها يمكنهم استخدامه في التوقيع على أي اتفاق يريدون تمريره لتصفية القضية الفلسطينية .

 

بقي الأهم وهو شرعية حماس التي ستنتهي يوم 25/1/2010م حسب القانون الفلسطيني، فهل هي جاهزة للتعامل مع قدوم هذا التاريخ ؟؟ لا شك بأن نتائج وتبعات انتخابات 2006م قد غيّرت مجريات كثيرة على الساحة الفلسطينية والإقليمية والدولية، ولعل أهم ما شهدته تلك الفترة هو خوض إسرائيل حربين مدمرتين ضد كلٍ من حماس، وحزب الله ولم تحقق إسرائيل شيئاً من أهدافها في كلا الحربين، بل خرجت من الأولى بفضيحة القاضي (إلياهو فينوغراد) الذي فضح المؤسستين العسكرية والسياسية في إسرائيل، وخرجت من الحرب الثانية بتقرير القاضي (ريتشارد غولدستون) الذي أدان إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة . تلك الفترة شهدت أيضاً فرض حصار همجي ظالم على غزة بعد سيطرة حماس عليها عقب الحسم العسكري .

ويمكننا القول بأن حماس استطاعت أن تنتزع شرعيتها عبر صناديق الاقتراع وثقة الشعب الفلسطيني ، لكنها لم تحصل على الشرعية الدولية التي وصفها الزعيم العثماني الأصيل (أردوغان ) بأنها كاذبة ومزيفة . إن مرحلة ما بعد انتخابات عباس ستكون قاسية بالنسبة لحماس وقطاع غزة بشكل عام وفي تقديري فإن عباس سوف يخوض هذه الانتخابات وسوف تهنئه هيلاري كلينتون وجورج ميتشل بالفوز المضمون مسبقاً ، وسوف تكون أولى قراراته' اعتبار غزة إقليما متمردا ومنشقاً عن الوطن ' وهذا من شأنه أن يجعل غزة منطقة مستباحة.

 

أما حماس فلم يتبق أمامها سوى أقل من ثلاثة أشهر ستنتهي خلالها صلاحيات المجلس التشريعي والحكومة في غزة، ولا أعتقد بأن حماس يمكنها الاستمرار في إدارة غزة بدون مسوّغات دستورية وقانونية تؤكّد ادعاءات عباس بأنها تغتصب السلطة في غزة، فما الذي ستفعله حماس ؟ وكيف ستدير قطاع غزة بعد تاريخ 25/1/2010م ؟ وما الذي يتوجب عليها القيام به إزاء ذلك؟ أسئلة معقّدة والإجابة عليها غير مضمونة النتائج في ظل تآمر العالم الظالم وتواطؤ عباس مع هذا التآمر. شيء واحد يتوجب على حماس فعله وهو أن تلعب بنفس الأسلوب وتستخدم نفس الأدوات ، وتعلن عن انتخابات متزامنة في غزة ، فهذا من شأنه أن يعطي حماس – على الأقل - شرعية الاستمرار في إدارة قطاع غزة ، والخروج من الأزمة الدستورية والقانونية المصاحبة لتاريخ 25/1/2010م.

 

صحيح أن العالم سوف يعترف بانتخابات عباس ويتنكّر لانتخابات حماس، ولكنه حينها سيضيف جريمة أخلاقيةً إلى جرائمه ، وسوف تضيف حماس موقفاً مشرّفاً إلى مواقفها .