مدينة مُحتلة..

نشر 05 نوفمبر 2009 | 08:46

بقلم: ديما السماني

 

هي ليست مدينة كبرى تتدلى من سمائها جسور هوائية ولا تزاحمها ناطحاتٌ، ولا هي مدينةٌ تتسع شوارعها لتفتحَ أفواهَ الزائرين وتعلَقَ أنظارُهم في كل زاوية منها.

 

أصوات الباعة وعراقة المحلات التجارية فيها تقفز عن الأسماء الرسمية للشوارع والأماكن وتتجاوزها بعفوية مطلقة، ثم يتطاير غبار البهارات المدقوقة منذ برهة بمطرقة خشبية مشققة فتدلّ أي غريبٍ عليها دون أن يتعب نفسه بالسؤال، أما روائح محلات الفلافل -أسرع مُسكن للجوع- فلا تحتاج إلا للفتةٍ بسيطة من أي شخص كي يصل إليها.

 

في أول أيام الأسبوع تحديدا يعج هذا السوق بأهالي القرى المحيطة، ترى الأثواب المطرزة والملابسَ المتواضعةَ تغزو المحلات المتلاصقة، وترى الأكياسَ السوداء المحشوة بالخضار تكاد تشل أيدي النسوة اللواتي يمشين بسرعة فائقة للوصول إلى موقف السيارات.

 

خارج زحمة السوق وبساطته وضوضائه المزعجة التي لا نستطيع العيش دونها، يبدأ سحر ذو طعم مختلف يغذي العقل المنهك من سذاجة السوق وباعته، تبدأ الشوارع بالتحوّل لتلبس ثوباً آخر، ترى الأبنية المتقنة تصطف على جوانب الطرق تحت غطاء هدوء مريح، فتدرك الآن بأن هذه المدينة ليست مكونة من شارعين فقط  كما يقول أبناءُ المدن الأخرى.. لا مجال إلا للابتسام.

 

كل زاوية من المدينة مخصصة لغرض ما، فمنطقة للسوق وضوضائه، ومنطقة للمراكز الثقافية و'منتجعات الفكر'، وأخرى للوزارات والأماكن الرسمية، ورابعة للمتنزهات والمدارس والكليات، وخامسة للسكن حيث الهدوء والأشجار وفنجان القهوة مع زهرة الياسمين المعلقة بيده.

 

لا شيء كفيلٌ بتخريب هذه اللوحة سوى جسم يتثاقل على الأرض حافراً بصماته عليها، خطوطٌ منتظمة لكنها مشوهة، تمر على الشارع والرصيف وحتى شجرة النخيل، ثم يتغير وجه المدينة، فالمحلات تغلق أبوابها والشوارع تبدو خالية فجأة والمنازل تسدل ستائرها، ليس خوفاً ولا فزعاً.. بل كي يُتاحَ المجالُ للمتكلم الوحيد علّه يعيدُ الوضعَ الاعتياديَ للمدينة.

 

 بعد فترة قصيرة يغادر الجسمُ المعدنيُ ومن فيه شوارعَها وأزقتها محمّلاً بالحجارة، ويعود الوضع الاعتيادي للمدينة.

 

تلك هي، كل شيء متجاور، كل شيء موجود، كل شيء مختلف عن أي شيء، هكذا هي رام الله المحتلة... تحتلني.

 

على جوانب الطريق تتنقل العينان بين التربة المحمرة وأزهار الرتم الصفراء الزاهية تحت أشجار السنديان، لطالما كانت تلك الصغيرات تتمايل مع أي نسمة هواء.. كان كل شيء ينعشها، وأظن أن وجودها في هذه المدينة كان يزيد من طول سيقانها شموخاً.

 

 مررت بالطريق ذاته الذي كان قبل سنواتٍ يعيدُ للقلب نبضه، فوجدت التربة المحمرة مالت إلى لون باهت لم أستطع تحديده، وأزهار الرتم الصفراء ناعسة لا تكاد ترتفع عن الأرض المغبرة.. كانت ذابلة لا ينعشها هواء المدينة ولا يزيد وجودُها فيها من عليائها.

 

في السوق سمعتُ هديراً قوياً، ضوضاء مزعجة فعلاً قطعت الفوضى العفوية الجميلة وأخرست كل المتواجدين، عادت المحلات لتغلق أبوابها وخلت الشوارع فجأة وأسدلت المنازل ستائرها... خوفاً وفزعاً،

غادرت الأجسام المعدنية بعد ساعات كما دخلت، تلمعُ ابتسامتها الصفراء المنعكسة في أعينٍ حزينة للمقيدين داخلها، والمختبئين في أزقة المدينة.

 

هكذا رام الله المحتلة، ما زالت تحتلني..

 

ولكن!