أ.د يوسف رزقة
في مثل هذا اليوم الثاني من نوفمبر 1917م بدأت المأساة الفلسطينية. بلفور بدأ المأساة بوعد بإقامة كيان يهودي في فلسطين. الوعد كان في رسالة تسلمها اللورد روتشلد المليونير اليهودي. القيادات العربية والفلسطينية عرفت بالوعد قبل أن تبدأ عمليات التنفيذ. الروس أبلغوا القيادات العربية وكشفوا لهم خطورته. القيادات العربية لم تكن تدرك الخطر على وجه الحقيقة. القيادات العربية وضعت ثقتها في بريطانيا. بريطانيا وعدتهم بخلافة إسلامية يجلس على كرسيها شريف عربي ابن شريف. كرسي الخلافة الموعود له سحر وبريق. السحر أنسى القادة فلسطين وشعبها. البريق أنساهم أنفسهم وأخطار اليهود عليهم. قامت دولة (إسرائيل) بوعد، واستقرت بنكبة، واستكملت هيمنتها وسيادتها بنكسة، ويقدم لها القادة العرب اليوم أوراق الخلود بمبادرة عربية، بعض الفلسطينيين هم الأكثر تمسكاً بها. (وعد، ونكبة، ونكسة، وكارثة، ومبادرة). هي تاريخ القضية الفلسطينية منذ 1917 وحتى 2009م . بلفور اليوم مستريح في قبره ويحظى برحمات لأن من جاؤوا بعده كانوا أسوأ منه. (92 عاماً) والقضية الفلسطينية تتراجع من السيئ إلى الأسوأ لأسباب ثلاثة: أولها شراسة الهجمة الصهيونية والاستعمارية، وثانيها هزيمة النظام العربي وتبعيته، وثالثها غفلة الشعب الفلسطيني عن جدوى تولى القيادة (وحك جلده بظفره). لقد طالت الغفلة إلى أن أحترق الكبد الفلسطيني، والتذع القلب، وتنبه إلى الواجبات فأشعل نار المقاومة والانتفاضتين، فأخذت القضية تتقدم ببطء شديد تقدم السلحفاة. التقدم البطيء له سببان: الأول تمكن الصهيونية محلياً وإقليمياً ودوليا، والثاني كارثة أوسلو، وانقسام الشعب الفلسطيني إلى تيارين: تيار مقاوم، وتيار مفاوض. والتيار الثاني يتلقى دعمه من (إسرائيل) ومن الاستعمار العربي والأمريكي اللذين صنعا (إسرائيل) وحافظا على وجودها سيدة المنطقة العربية.
بلفور مات، وذكرى وعده الـ(92) تذكرنا بأن فلسطين تعاني من موت القيادة العربية والإسلامية على مدى الزمن نفسه. القيادة المنتصرة غائبة عن فلسطين وعن العرب منذ 1917. يوجد ملوك ورؤساء ولا توجد قيادة. الرؤساء والملوك مهزومون والشعوب ركنت إلى الهزيمة بسبب القمع. موت القيادة وغيبتها وهزيمتها لا يضر الشهداء والجرحى والأبطال ممن صدقوا الله فصدقهم الله. هؤلاء نجوم فلسطين والعرب والمسلمين تمكنوا بدمائهم أن يبقوا القضية حية. للكارثة محطات أولها وعد بلفور ثم النكبة، ثم النكسة 1967، ثم أوسلو 1994، ثم أنابوليس وخارطة الطريق، وأخيراً وليس آخراً سحب تقرير غولدستون من التداول وتكريس الانقسام.
وللبطولة محطات: أولها انتفاضة حجازي وجمجوم، ثم سلسلة الأعمال المقاومة قبل النكبة، ثم ثورة فتح في 1965، ثم الانتفاضة الأولى وانطلاقة حماس والمقاومة الإسلامية، ثم انتفاضة الأقصى وقافلة الشهداء.
تاريخ فلسطين المعاصر كارثة وبطوله معاً. مظلومية عميقة وبطولة مشرفة . يجدر بأنباء فلسطين قراءة الكارثة وقراءة البطولة. من لا يقرأ لا يعتبر. ومن لا يعتبر لا يصل. ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.