مصطفى الصواف
أثارني ما تحدث به الإعلام الصهيوني عن نية السيد محمود عباس الاستقالة من منصبه كرئيس للسلطة الفلسطينية، وما تردد عبر وسائل الإعلام من توصية وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون للرئيس الأمريكي أوباما بضرورة دعم عباس في مواجهة الوضع الفلسطيني المتأزم وتعزيز مكانته، سواء كان الإعلام الصهيوني يريد أن يفجر بالوناً إعلامياً لسماع ردة الفعل المؤيدة أو المعارضة لفكرة الاستقالة، وكذلك الهدف الأمريكي من وراء دعم محمود عباس، وكلاهما عدو لمصالح الشعب الفلسطيني وما يقدمون عليه من خطوات أو توصيات أو اختبارات هي محاولة لخدمة مصالحهم بعيداً عن مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة والتي لن يبطلها ضعف أو تقررها قوة؛ لأن الحقوق لا تسقط بالتقادم .
وأنا هنا لا أريد الدخول في سجالات الشرعية وعدم الشرعية؛ ولكن سأنطلق من رؤية جديدة أطرحها بين يدي قيادات الشعب الفلسطيني وعلى رأسها حركتا فتح وحماس وبقية القوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية، والفكرة قائمة على أننا كشعب محتل في غنى عن منصب الرئاسة؛ والذي عادة ما يكون للشعوب الحرة ذات السيادة، أما حالتنا الفلسطينية والتي يعرفها الكل المؤيد والمعرض بأنها حالة تحرر وطني، والشعب المحتل بحاجة إلى قيادة تأخذ بيده نحو تحقيق المصالح وعلى رأسها التحرر من الاحتلال، وألعوبة السلطة والرئاسة تهدف في المقام الأول لتلهية الشعب الفلسطيني والوصول به إلى حالة الصراع التي نشهدها وتعمل هذه المسميات على إشغال الفلسطينيين بأنفسهم ونقع في لعبة من مع ومن ضد؛ حتى أصاب الخلاف عصب الحياة الفلسطينية السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية؛ حتى يتمكن الاحتلال من تنفيذ مشاريعه التي تسلب الشعب الفلسطيني حقوقه من باب تصفية القضية الفلسطينية، والدليل على ذلك ما يجري في مدينة القدس.
ما يخطر على بالي من طرح هو أن يلقي الفلسطينيون وراء ظهورهم موضوع الرئاسة وموضوع السلطة، والتفكير في تشكيل قيادة وطنية فلسطينية تتجاوز موضوع الرئاسة التي يتناحر حولها جزء كبير من الشعب الفلسطيني، هذه القيادة أرى أن تُشكل من مجلس يضم قادة الفصائل الرئيسة في الواقع الفلسطيني، وتقوم على رسم السياسة العامة للمشروع الفلسطيني بما يحقق مصالح الشعب الفلسطيني دون النظر لشروط هنا ومواقف هناك، لأن أصحاب الحقوق أقوى من كل الأطراف،ومهما حدث من الضعف لن تسقط هذه الحقوق.
هذه القيادة الفلسطينية يتم التوافق عليها فيما بين القوى الفاعلة وتكون لها استراتيجية عامة ولها تكتيكات متعددة تقوم على تنفيذ هذه الاستراتيجية، وإن يحكمها فقه الأولويات، فلو كانت المقاومة من الأولويات تكون في مقدمة الإستراتيجية، ولو كانت الظروف الدولية والإقليمية عقبه أمام المقاومة يمكن أن تتأخر، وتقدم مصلحة أخرى، وهكذا يمكن بالتوافق أن نصل إلى تحديد هذه الإستراتيجية وأولوياتها.
هذه القيادة يجب أن تكون لها مرجعية وطنية فلسطينية؛ كالمجلس الوطني أو المجلس التشريعي، ويتم الاتفاق على هذه المرجعية طالما أن الهدف هو الوصول إلى الحقوق الفلسطينية، وهذه القيادة تمنع تفرد شخص أو جهة في القرار والمصير الفلسطيني، كما أنها تمنع التدخلات الخارجية وتقطع الطريق على أي محاور إقليمية، ويكون القرار فيها قرارا يعتمد في الأساس على مصالح الشعب الفلسطيني.
نعتقد أن هذه القيادة من يحددها هي القوى الفلسطينية والمرجعية يحددها الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج عبر الانتخابات الحرة والنزيهة والتي تتيح الحرية التامة للمرشح والناخب ليدلي بصوته ليختار مرجعية القرار الفلسطيني.
نعتقد أن هذه الفكرة ليست سهلة؛ ولكنها ليست مستحيلة، وهي قابلة للتنفيذ ولا تحتاج منا إلى اللجوء إلى أي طرف عربي، أو دولي لأنها شأن فلسطيني خالص، وهذه القيادة ستخرجنا من المصالحة وتعقيداتها واشتراطات الرباعية، وستفرض على كل الأطراف احترامها لأنها رغبة الشعب الفلسطيني، وتأتي خدمة لمصالحه وحفاظاً على حقوقه، وبذلك نعيد الزخم العربي والإسلامي الداعم لحقوق الفلسطينيين، ويخرجنا من حالة الانقسام وأكذوبة الرئاسة والسلطة التي لم تجلب علينا إلا الويلات، وإذا استمر الحال على ما هو عليه سوف تعمل على إعاقة تحقيق حقوقنا سنوات وسنوات.
يجب على الكل الفلسطيني أن يجلس مع نفسه جلسة صدق بعيداً عن الحسابات الضيقة والمصالح الحزبية أو الشخصية، وأن يكون الاعتبار الأول هو مصلحة الشعب الفلسطيني وحقوقه الذي ينطلق منها الجميع، لأن التنافس يجب أن يكون في كيفية تحقيق هذه الحقوق؛ وليس في من يكون رئيس ومن يمرر إرادته وموقفه السياسي، على الآخرين، ويمكن أن يؤجل كل تنظيم أو قوة أو جماعة هذه الأمور الضيقة بعد تحقيق المصلحة العليا وهي التحرر من الاحتلال وتحقيق الحقوق، الجميع مدعو اليوم للتفكير ولو مرة واحدة في هذه الفكرة والبحث عن تطويرها والبناء عليها أو التفكير في أفكار أكثر إبداعية منها وتكون قابلة للتحقق شرط أن يكون منطلقها المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.