الصحافة العربية

نشر 27 أكتوبر 2009 | 09:27

بقلم د. خالص جلبي

في 19 أكتوبر 2009م احتفلت جريدة الاتحاد ببلوغها سن النضج: الأربعين، أي معاصرة جيلين من الأنام.

وفي القرآن يقول الإنسان في بلوغ الأربعين: أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي.

وإذا كانت النبوة تتنزل وحيا على من بلغ الأربعين، فقد تبلغ امرأة التسعين وهي ما زالت مراهقة عصابية.

فهل بلغت الصحافة العربية سن النضج والرشد، أم أنها مازالت في سن المراهقة؟

ذلك أن من يحكم على الأشياء، ليس طول العمر، وكثرة المجتمعين، وعظمة الإنفاق، فطول العمر يفضي إلى قسوة القلوب ونشاف الدماغ.

وفي القرآن فطال عليهم العمر فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون..

ولو أنفقت ما في الأرض جميعا ماألفت بين قلوبهم.

وليس من مفرق بين الجماعات والأفراد مثل المال، وليس من موحد مثل نار المحنة والحب والإيثار.

ولا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك (كثرة) الخبيث.

ويوم حنين أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ثم وليتم مدبرين.

وفي صدام طالوت وجالوت فازت القلة، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.

وعشرون صابرون يغلبون مائتين بطبيعة التراص الداخلي، وبلورات الألماس كربون هش شبه معدن، ولكنه أقسى ماعلى الأرض، بسبب طبيعة هندسة الذرات الداخلي..

يصف النيهوم الصحافة العربية بأنها صاحبة الجلالة، فمن الخارج لاتختلف مجلة عربية عن الشبيجل الألمانية، ولاجريدة عربية عن الفيجارو الفرنسية ودي تسايت الألمانية والبايس الأسبانية، ففيها المقالة الافتتاحية والتعليق السياسي والخبر والكاريكاتير وانتهاء بحل الكلمات المتقاطعة وأخبار المناخ وتوقيت الصلاة ونعوة الأموات..

تتشابه الصحافة العربية مع الصحافة الغربية مثل البيضة للبيضة، والفرق بين البيضتين أن بيضة الصحافة العربية مسلوقة، ومن بيضة الصحافة الغربية خرج ديك يصيح على السياج حي على الفلاح الصلاة خير من النوم.

إننا من يكتب محاصرون ثلاث مرات من الرقيب والممول وأسوار العالم العربي، مما لاينجح في اجتياز 24 بوابة عربية محصنة معقمة ضد التفكير مثل الكارنتينا ضد انفلونزا الخنازير؟

لذا أكتب أنا شخصيا كل مقالة كتابة مودع، ولا أفكر قط أن أعيش مرتزقا من الصحافة، طالما كانت في يد ممول من أمير ورفيق وحكومة.

ومن فكر أن يعيش من رزق الكتابة عليه أن يتسول على أبواب المساجد كما نرى في النساء المتلفعات بالسواد؟

وما أتاني من نشر ثلاثين كتابا لي حتى الآن، لايجعلني أعيش من رزقها ثلاث أشهر؟ فأنا رجل جعلت من شاطيء الطب مرساة الأمان..

وشاهدا على كلامي هذا أننا نصرف من جريدة بنصف سطر، وصفحة فاكس،  أو مكالمة تلفونية تافهة، هذا إذا أكرمونا، فقد صرفت من جريدة بدون كلمة وداع واحدة، وتم قصفي بصاروخ من جريدة بعد مقابلة، وهناك من كان يكلم (كفيلي) في مصير كتابتي، في شهادة صاعقة على مصير الكتاب في مستنقعات العالم العربي الفكرية.

مهمة الصحافة اليوم في العالم العربي هي نفش أمير مثل ذيل طاووس، ونفخ مسئول مثل بالون وإطار سيارة، ومديح ولي عهد ورفيق بما يدعي للقرف والغثيان، وحمد الله على نجاة مسئول من حادث طيارة واغتيال وحشيش وحشاشة، بما يقول أن صحافتنا تعيش خارج إحداثيات الزمان والمكان..

من بيده المال بيده الكلمة والمآل، ومنه فلا يختلف الكاتبون في رزقهم وارتزاقهم عن سائقي الشاحنات، ودافشي العربات، وموظفي الصيدليات، وممرضو عنابر المرضى.

وفي الجملوكيات مهمة المثقف هي طلي مساحيق التجميل لوجه الوحش الحكومي الدراكولا مصاص دماء الضحايا والاعتقالات..

وكتاب العالم العربي المميزين نادرون، ومعظم من يكتب التافهون والمطبلون والمزمرون، الحامدون الله على سلامة ذو الطلعة البهية، من شمس الواعظين، وزين العابدين، وقرة المتقين، وسيد الغر المحجلين..

الكلمة مسئولية وخطيرة مثل خنادق الموت وحقول الألغام، ولذا فإن الكاتب العاقل يكتب كلاما لايوقظ نائما، ولا يزعج مستيقظا، ولا يلفت مراقبا، ولايحرك ضابطا أمنيا؟؟

والصحافة في النهاية تعبير عن المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة، مثل الموسيقى والفن والكتابة، فإن كانت مرحلة انحطاط مثلتها خير تمثيل، وإن كانت في صعود صعدت معها صعدا..

في النهاية يظن الكثير أن مشكلة الحرية هي أم المسائل في الصحافة، ولكن هب أن الحاكم والأمير والرفيق سمح لمن يكتب أن يكتب ما يريد، فماذا نتوقع أن تكون النتيجة؟ سوى قبيح العبارات، وبذيء الشتائم، وقاصفا من القول؟؟

عندي نموذج ميداني من شباب آية في الفهم والإدراك اختلفوا، ولأن الانترنت لاتحكمه المخابرات إلا في الأنظمة الثورية الخايبة، فقد أخذا (حريتهما) في تبادل شنيع العبارات وعظيم الاتهامات.

شاهدا على أن الحرية مسئولية، وأن الكلمة تمارس الانتحار فور انطلاقها من قواعدها، وأن كلمات الحرية ليست دوما حرية، بل فوضى وتدمير، ولو سمحت الحكومات العربية بحرية التظاهر، لتدمر البلد والبنية التحتية، وأحرقت المحلات العامة والمتاحف والمكتبات والبنوك وصالات المسارح؟!

ولذا فوضع العالم العربي، شاهد على الحالة العقلية للمواطن العربي، الذي يعيش حالة العبث والتيه والفوضى والانحطاط والوثنية؛ فيقدس الأصنام الحية والميتة، ويهتف بحياة القائد المقرود إلى الأبد إلى الأبد.....

وتتحول الجمهوريات إلى حكومات مافيات لعائلات إقطاعية مسلحة بالطبنجة والغدارة وخنجر الحشاشين والمخابرات.. وليس حال الملكيات أفضل بكثير؟؟

إننا في مصحة عقلية كبرى أليس كذلك؟؟