خطاب عباس مضيعة للوقت

نشر 25 أكتوبر 2009 | 08:49

  بقلم: مصطفى الصواف

   

يبدو أننا سنبقى مسكونين بالموضوع الفلسطيني الفلسطيني رغم محاولتنا الخروج من هذا الأسر اليومي، والذي بات يشكل نوعاً من الضغط النفسي على الجميع وجعل المتابع للشأن الفلسطيني لا يجد جديدا يتحدث به، لأن القضايا منذ سنوات لازالت على حالها، وعملية الشد والجذب كما هي لا جديد فيها، وحتى المواقف قلما يحدث ما يثير الانتباه وجعل هناك حديثا مختلفا، وبات حالنا كحال محمود عباس في خطاب، أمس، أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي كان مضيعة للوقت لمن حضر واستمع ولمن شاهد عبر شاشات التلفاز وتابع الخطاب.

 

مضيعة للوقت، لأن هذا الخطاب لم يحمل جديدا يستدعي أن يخرج رأس الهرم الفلسطيني بالمفهوم الإقليمي والدولي ليتحدث أمام الناس به، لأنه عادة تكون خطابات الرؤساء الحقيقيين أشبه بالفاكهة في غير موسمها، أما اليوم فخطاب محمود عباس بات كالفاكهة الموجودة في الأسواق في موسمها وفي غير موسمها حتى باتت النفس تأنفها والذوق ينفر منها لسوء ما فيها ولكثرة ما تسببه من أمراض.

 

إلى جانب ذلك، كان ما تضمنه خطاب محمود عباس هو تكرار لكلام تحدث به في كل المحافل والمناسبات، وهو كلام أصبح محفوظا عن ظهر قلب، يجتر فيه نفس المواقف وينضح بنفس العبارات ويكيل نفس الاتهامات ولا يعبر عن رأس الهرم، وإنما هو يعبر عن مسئول تنظيم أو حركة، وهذا يجعلني كمراقب أن أقبل خطاب عباس لو كان يتحدث باسم حركة فتح كونه القائد الأعلى لها والمسئول رقم واحد، أما الصفة التي خرج بها كرئيس للسلطة الفلسطينية فهذا الخطاب لا يدلل على مسئولية عامة أو في المضمون.

 

كان المراقب وحتى المواطن يرى أن خطاب عباس سيشمل قضايا مصيرية وجديدة تتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني والوضع السياسي، وشرحاً وتفسيراً للأسباب التي دعت لاتخاذ قرار المرسوم المتعلق للانتخابات، والاكتفاء بعبارة استحقاق دستوري فهي عبارة ممجوجة وغير مقنعة؛ لأن الجميع يعلم أن كل شيء أصبح في السياسة الفلسطينية منتهك، وأول ما انُتهك هو الدستور والقانون الفلسطيني الذي يتغنى به عباس، خاصة أنه أول من انتهك الدستور والقانون.

 

مغالطات كثيرة، وابتعاد عن الحقيقة، واتهامات بالجملة، وتزييف للحقائق، وخداع للرأي العام الفلسطيني، وتكرار واستنساخ لنفس العبارات والألفاظ التي تلوث السمع، وعندما تحدث عن ما كان ينتظره الناس حول المرسوم لم يتعد دقيقة واحدة وربما أقل.

 

المرسوم الرئاسي المتعلق بالانتخابات هو مرسوم تهديدي وسيف يلوح به محمود عباس منذ شهور كثيرة، تزيد عن العام، علما أن محمود عباس رفض الاعتراف بنتائج انتخابات 2006 عمليا؛ رغم انه وافق عليها قولا، وحقيقة الأمر انه لم يكتف برفضها بل شجع على التنكر لها إقليمياً وعربيا، ووضع العراقيل أمام من حصل على الغالبية في الانتخابات عبر مراسيم وقرارات اقل ما يقال فيها أنها غير دستورية أو شرعية، ويبرر المرسوم حتى بحجة الفراغ الدستوري، عن أي دستور أو أي قانون يتحدث محمود عباس لا اعلم، دستور منتهك ويستحضر لخدمة مصالح وأهداف خاصة مثله مثل المجلس المركزي لمنظمة التحرير والذي أصبح شبيهاً بالتيس المستعار.

 

المصالحة الفلسطينية في خطر، ليس بسبب المرسوم، ولكن بسبب ترسيخ الانقسام الجغرافي والسياسي لو أقدم عباس على إجراء انتخابات في الضفة،  لأنه لا انتخابات دون توافق ولا انتخابات في ظل الانقسام، لو فعلها عباس يكون قد ذيل شهادة وفاته السياسية بعد أن خط سطورها من خلال سياسته الضارة، ولم يبق إلا تذليل الشهادة برسمه.

 

حماس يجب أن تبقى على موقفها المنحاز إلى مصالح الشعب الفلسطيني، ويجب أن تصر على رفض الانقسام، وأن تسعى جاهدة من أجل التوصل إلى المصالحة الفلسطينية الفلسطينية على أساس خدمة مصالح الشعب الفلسطيني والتمسك بثوابته التي تؤمن بها والتي تشكل جزءاً من ثوابتها، لأننا نريد مصالحة حقيقية تؤدي إلى إنهاء الانقسام لا ترسيخه، وتحافظ على الثوابت والحقوق، مصالحة تكون معروفة لماذا؟ وعلى ماذا؟ ولا تعتمد على حسن النوايا عند التطبيق، لأنه لم يعد هناك مصداقية لحسن النوايا هذه التي تتحدث عنها بعض الأطراف لأنها مغشوشة ومشكوك فيها. 

ويجب على من يريد مصالحة حقيقية أن يتخلى عن التهديد بالحصار والجوع وإغلاق الحدود ومنع الدخول والخروج والانحياز إلى جهة على حساب جهة، والأهم الحفاظ على حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني من التفريط.