مصطفى الصواف
الانتخابات مطلب ديمقراطي تسعى إليه كل الأنظمة الحرة والديمقراطية في العالم بمقياس المصلحة الوطنية العليا لشعوب هذه الأنظمة، لأن الديمقراطية التي تعني العدل والمساواة والحرية لشعوب الدول الديمقراطية، وهي مطلب أساسي كالمأكل والمشرب والملبس والمسكن، لن تكون كذلك بالنسبة لهذه الدول حين تريد ديمقراطية بلون وطعم خاصين، خاصة لو كانت الديمقراطية الحقة لا تحقق مصالح هذه الدول في المنطقة المراد المهيمنة عليها، أو لا تخدم الأنظمة الحليفة لها أو الدول المجاورة لهذه الأنظمة والمتعاونة معها.
ولدينا مثالان من واقعنا وواقع مجاور لنا يعطيان دليلا واضحا على الديمقراطية التي تصلح هناك ولا تصلح هنا، ومثالنا الأول في فلسطين، نادت أمريكا بضرورة أن تكون هناك عملية انتخابات في المنطقة العربية، وتكون نزيهة وديمقراطية وحرة، وضغطت وهددت إن لم تجر انتخابات ستكون هناك عقوبات مالية واقتصادية، وقد تصل إلى تغيير الأنظمة القائمة بالقوة أو بالتآمر، والخوف والحاجة إلى المال السياسي جعلت بعض الأنظمة تستجيب للدعوة الأمريكية وتعلن عن انتخابات.
واستجابت السلطة للدعوة الأمريكية ليس حبا في الديمقراطية، وحق المواطن في التصويت واختيار من يمثله في المؤسسات التشريعية والقيادية، وإنما جاءت الموافقة خشية السطوة الأمريكية وتجفيف المنابع، لأن هذا فيه موت ونهاية لحلم الحالمين بالسلطة، ورغم نصائح بعض المتنفذين لمحمود عباس بعدم إجراء مثل هذه الانتخابات، لأن الأجواء ليست في مصلحة النظام المهيمن والمسيطر على الأرض؛ وأن عليه أن يتريث قليلا حتى تتم تهيئة الأجواء على غرار ما يجري الآن في الضفة الغربية، إلا أن ضعف محمود عباس وخوفه من التهديدات الأمريكية لا تعدله نصيحة، إلى جانب أن عقليته الفردية لا تؤمن بالرأي العام ومزاجية الشارع، حتى انه لم يفكر في إزالة أسباب الاحتقان في الشارع؛ بل أرخى له حبال التمادي والغي والفوضى وارتكاب الموبقات.
وكانت انتخابات عام 2006 ، وكانت المفاجأة التي وقعت لعباس و'فتح' وحتى لأمريكا، لأن آخر ما كانت تفكر به أمريكا أن تفوز حماس بالغالبية في المجلس التشريعي، وشكلت النتائج صدمة للجميع، فبدلا من استيعاب حماس في المشروع الأمريكي، باتت الأمور على العكس، حماس هي من تريد استيعاب أصحاب المشاريع من خلال تقويض المشروع الأمريكي، وهزيمته على أرض الواقع، وكانت الرسالة أن الديمقراطية الحقة هي خيار كل الشعوب ، ومن ستأتي بهم سيكونون خير مدافعين عنها.
عندها وقفت أمريكا، راعية الديمقراطية في العالم، وتنكرت للديمقراطية، ورأت أنها لا تصلح للشعب الفلسطيني؛ لأنها أتت بمن يحقق مصالح الشعب الفلسطيني، وليس بمن سيحقق المشروع الأمريكي فرفضتها، وحاصرت الشعب الفلسطيني ودعت السلطة إلى رفضها ومحاربتها ووضع العراقيل أمامها عبر كل الوسائل، ووفق سياسة الفوضى الخلاقة، وكان ما عرفه كل العالم، حصار ودمار وعدوان واعتقال وفوضى وانقسام، كل ذلك عطل الديمقراطية التي دعت إليها أمريكا، لأنها لم تأت على المقاس المطلوب.
النموذج الثاني كان في دولة الجوار، معذرة على عدم ذكر اسم الدولة، حتى لا نسيء إلى العلاقات الحميمة معها، هذه الدولة أجرت انتخابات، والعادة عندها أن الانتخابات تجري على مرحلتين، التزمت في المرحلة الأولى بالشروط الديمقراطية إلى حد كبير، فكانت النتائج على غير ما يرام، كيف والحال كذلك؟ فكان الموقف الأمريكي أن افعلوا كل ما تريدون حتى تكون نتائج بشكل يخدم المصالح الأمريكية ولا يغير المعادلة، فكان التزوير والمنع والاعتقال وغيرها من الوسائل.
واليوم بات هاجس سلطة رام الله وفتح ومحمود عباس، وعلى الربابة انتخابات انتخابات، وكأن الانتخابات ليست مطلباً فلسطينياً وليست استحقاقاً ديمقراطياً، هذا الهاجس الجديد يظن المطبلون له أن حركة حماس على سبيل المثال لا تريد انتخابات، علما أنها أول من نادى بذلك وقبل الإدارة الأمريكية، اليوم الداعون للانتخابات يظنون أولا أن الأجواء مواتية لتزوير الانتخابات، وأنهم يضمنون الفوز الذي يريدون ويعتقدون أن الانتخابات ستُخرج حماس من نفس الباب التي دخلت منه.
نعم، هم على حق، لو جرت الانتخابات في ظل الأجواء التي تعيشها الضفة الغربية وبقيت على حالها سيكون الفوز المزور حليفهم، حتى وإن جرت انتخابات في غزة في نفس الوقت لان غزة سوف تحتكم للقانون وسوف تجرى انتخابات على غرار انتخابات 2006، وعندها ستكون أمريكا راضية عن نتائجها لأنها جاءت بالمقاس المطلوب، ولن تنادي بإعادة الحياة السياسية الطبيعية إلى الضفة الغربية.
للمراقب المحايد وللسياسي الحاذق وللقانوني الواعي، الانتخابات في ظل الجو المعاش في الضفة من إرهاب واعتقالات وملاحقات وتضييق لن تكون، وفي ظل حالة الانقسام السياسي لن تكون، قالوها منذ زمن ويقولونها قبل زمن ولازالوا يقولونها، ولكن لا حياة لمن تنادي.
والسؤال، هل بالفعل محمود عباس ورام الله يريدون انتخابات حقيقة؟ الجواب لا، ولو كانوا بالفعل يريدونها انتخابات ديمقراطية، عليهم إنهاء الانقسام وعودة الحياة السياسية إلى طبيعتها التي كانت عليها في فترة انتخابات 2006، لذلك والحال على ما هو عليه لن تكون انتخابات حتى لو أصدر عباس مرسوماً رئاسياً يحدد فيه 25-1-2010 موعدا للانتخابات، عندها نقول له ولمن حوله (بله واشرب ميته)