ولماذا لا يكون؟؟

نشر 20 أكتوبر 2009 | 11:10

د. عطا الله أبو السبح

سؤال طرحه عليَّ أحد الأصدقاء في سياق حديث حول الخروج بالشعب من هذا الوضع الخطير جداً وعلى كل صعيد، فقد تقطعت أواصر القرابة في الغالب الأعم بين الناس، وانعدمت الثقة بين الفصائل، الكل يخطئ الكل، والكل يعتب على الكل، والكل يتوجس من الكل، حالة من الاحتقان تجري في كل ملعب ونادٍ، فلا أفق، كلما ظن الشعب بقرب الانفراج بدا وكأنه ابتعد، والسؤال الملح.. متى؟ أين نتجه..؟ وكيف السبيل؟ ولماذا لا يكون؟؟

وواضح أن السؤال الأخير هو الذي يقترح حلاً عملياً.. فالحالة الفلسطينية أمست مستعصية، أو هكذا يبدو.

ووصل الحوار إلى أن الشعب الفلسطيني يملك من الكفاءات والكوادر ورجال دولة ما يمكن بهم أن يضعوا من الحلول ما لو توفرت لها إرادة سياسية وصدق نوايا لما كانت هناك مشكلة، وإن كانت فما طال زمن حلها، وإن طال فلا يمكن أن يكون للأبد، ولكن العلة في أن هذه الكفاءات معطلة أو مهمشة، أو صنفت في قائمة (ما) في نظر قائمة معارضة، وبالتالي فقدت الحيادية، وهي أهم ما ينبغي أن يتوفر فيمن يحكم بين متعارضين، وقد يكون هذا التصنيف باطلاً ولكن و(لحاجة في نفس يعقوب) ينبري المصنفون بالتصنيف، وتصدر الأحكام القبلية التي تقصي ذا، وتقرب ذاك، ولكن يبقى الكثير فيمن لم يصنفوا بعد... إنهم موجودون خارج الأرض الفلسطينية وقلوبهم تكتوي حزناً وقلقاً عليها، ويتحفزون لوضع أياديهم ما بين قلب فلسطين والسكاكين التي توشك أن تمزقه، حتى وإن تقطعت تلك الأيادي، يتنادون بصمت، ويتحاورون بصمت، ولكن كرامتهم تأبى عليهم أن يطلبوا لأصحاب القرار (ها نحن) ولدينا الجاهزية لأن نضع حداً لهذا الموت البطيء، وما على صاحب القرار إلا أن يستجيب ويبادر بالدعوة!!! والتي يمكن أن تتضمن:

أولاً: أن تقوم الجامعة العربية بالطلب إلى الفرقاء بالموافقة على الاحتكام إلى ذوي الكفاءات من الفلسطينيين.

وثانياً: إن وافق الفرقاء، فليطلب السيد عمرو موسى من كل دولة تقديم قائمة بأسماء ما لديها من فلسطينيين من ذوي الكفاءات (السياسية،القانونية، والاقتصادية...) على أن يكونوا غير مؤطرين، كأن يكونوا مستقلين ومن المشهود له بالنزاهة والوطنية والثقة والاحترام.

ثالثاً: تختار هيئة الجامعة (وبرئاسة السيد عمرو موسى) من بينهم عدداً، هم الأكفأ في كل ميدان، والأكثر ثقة ووطنية ضمن معايير قابلة للقياس من غير تهويل أو تهوين.

رابعاً: يجتمع العشرة لمدارسة أبعاد المشكلة وتشابكاتها ووجهات نظر الأطراف، ومن ثم  تحديد ما تم،  والتوصل إلى اتفاق بشأنه ليبنى عليه، ووضع حلول لنقاط الخلاف.

خامساً: لا بد أن تكون حلولهم المقترحة قابلة للتحقيق، وليست إقصائية أو مثالية، بل واقعية يمكن تنفيذها.

سادساً: بالنسبة للنقاط التي يؤثر فيها أكثر من عامل خارجي، فإن كان مقدوراً على تذليله فلا بد من المبادرة بمقتضى الحال والواقع، وأما إن تعذر ذلك كأن يكون العامل المؤثر فيه عدواً (كحق العودة واللاجئين..) فلا بد من تحكيم القانون الدولي، ذات العلاقة والذي لا يضر بالصالح العام للشعب الفلسطيني ولا بالقضية الفلسطينية.

سابعاً: تكون هذه الهيئة هي المرجعية العليا في ترتيب وتنظيم العمل وإدارته في السلطات الثلاث (التشريعية، القضائية، التنفيذية).

ثامناً: ألا تتجاوز ثوابت القضية الفلسطينية من (حق عودة، لاجئين، حريات، مقاومة،...) ولا تغفلها، وأن تعطى الأولوية واعتبارها أهم القواسم المشتركة بين أبناء الشعب الفلسطيني.

تاسعاً: إزالة كل أسباب التوتر من تراشق إعلامي، وإضرابات أو استنكافات مع عدم المساس بالحقوق الوظيفية إلا بما يجرمه القانون، وكذا إطلاق المعتقلين السياسيين فوراً ودون إبطاء.

عاشراً:  ترعى الجامعة العربية هذا المشروع وتسنده، وتوفر أسباب النجاح له.

وبهذا يمكن أن تصل بالشعب الفلسطيني إلى بر الأمان، الذي يشعر بما وقع عليه من ظلم تاريخي كان التمزق الفلسطيني أهم مقومات وقوعه، وتحكمه والتمكين له، فمن يوم أن مزقت الأحزاب، والعائلات، والسباق نحو المكاسب والغنائم، والاحتكام إلى الأجنبي والقضية في تقهقر، والشعب في ضياع وحيرة وترقب ورعب..

عشرات الآلاف من الشهداء قد ارتقوا فداءً لهذا الوطن (أرضاً وإنساناً وقضية) وآلت أموره إلى ما يسيء إلى تلك الدماء الزكية والأرواح الطاهرة والنوايا الصادقة.

وآلاف الضحايا سقطوا بسيوف الأنظمة والحروب الأهلية تستحق من الفلسطيني وقفة مراجعة مع النفس تحت شعار (لن أعود لمثلها)... والملايين بل المليارات أهدرت، ولم يجنِ الشعب إلا العلقم والأحزان والندم، ولو وضعت بين أيادٍ أمينة لكان حال الشعب أحسن حالاً، وكان الأقرب، من أهدافه السامية في أن يكون له وطن.

وعديدة هي المرات التي اختار (القادة) أن يخوض غيرهم معاركهم؛ فشق على غيرهم، وحملوه همهم، ووقعوا – حال الفشل- تحت طائلة الملامة وأخواتها (صغيرات أو كبيرات) ولم يزدد الحال إلا سوءًا، والشعب تفسخاً، ويأساً، والوطن ضياعاً، والعدو تمكيناً وصلفاً وغطرسة وظلماً...

إن الأمر يقتضي بذل كل جهد خلاق ومخلص ودؤوب، من أبناء هذا الشعب العظيم في صبره على مصيبته، والقابض على الجمر وأعنى الكفاءات والكوادر والطاقات... فهم في عقولهم الفكرة وإليهم يجب أن يُناط الحل،

فقد قيل:          ما حك جلدك مثل ظفرك                      فتولَّ أنت جميع أمرك

إن الانتخابات.. وكل المؤشرات تقول ذلك .. لن تزيد هذا الشعب إلا تمزقاً، والقلوب إلا حقداً.. والصف إلا تفسخاً، وتشعباً، ولن تتحقق لها النزاهة والحيادية والعدالة والصفاء.. هذا ما ينبغي أن نأخذه من أفغانستان، ولماذا من هناك. بل من هنا, ولماذا لا يكون؟؟؟!!.