غزة فائض رطبٍّ وفائض يدٍ عاملة، وصناعة حدثٍ، فإذا اختلط كل ذلك بالواقع صار عجوةً من كرامة وحنان، والعجوة وصفة تاريخية ضد الحصارٌ الإسرائيلي، الذي يفرض على أهل غزة الحذر، والاستعداد، وعدم الإغفاء لغدر الزمان، ولمن صاروا بقوة الإرهاب جيراناً، ولا سيما أن لأهل غزة حلماً أوسع من مجال الرؤية، ويتصاعد كالنخيل، الذي يعطي الرطب، الذي يلذ للآكلين، ويصير الفائض منه عجوةًَ، يمكن أن تصنعها كل امرأة في غزة، وهي أشهى من التمر الذي يأتي إلى غزة مطبوخاً بالسكر، ومجففاً على هيئة أعجاز تمر، لتظل العجوة تختزن إنسانية اليد التي صنعتها.
بعد أن تقشر الرطبة، وتنزع منها النواة، وتصير إلى فلقتين، توضع في الصينية بشكل منظم، وهكذا حتى تصنع الأسرة مجتمعة عدة صواني من الرطب الجاهز للتجفيف في الشمس، مع مراعاة تغطية الصواني بالشاش الخفيف خشية الذباب، أربعة أيام شمس يصير الرطب الجاف جاهزاً للعجن، ليصير عجوة، بعد وضعه على هيئة أقراص مستديرة ليسهل تحميصه في الفرن على نار هادئة، فإذا ارتش الناتج بالسمسم، صارت العجوة أطيب من كل أنواع الحلويات، وإن رشت بجوز الهند صارت العجوة ألذ المشهيات.
بإمكان كل امرأة في غزة أن تصنع عجوة، ومثلما تتباهى المرأة بأنها عملت الكعك لأولادها في العيد، وأنها غير مقصرة مثل جارتها التي اشترت كل شيء من السوق، ولا تعرف أن تلملم أولادها على مائدة حنان إنساني، بإمكان المرأة أن تصنع عجوة، ولاسيما أن كمية الرطب التي تتوفر في أسواق غزة تفيض عن حاجتهم للاستهلاك اليومي، والأسعار الرخيصة جداً تنادي على اليد العاملة لاستغلال قدرتها، لأن من يصنع قوت يومه بيده يستعذب ما يأكل، ويطمئن، ويؤسس لكرامته، وحريته، وإرادته التي تفرض نفسها معادلاً موضوعياً للحصار الإسرائيلي.
تذكرت قفير العجوة وأنا استمع لخطاب السيد عباس، الذي طلب من سفيره في جنيف معاودة طرح تقرير 'غولدستون' على مجلس حقوق الإنسان، وفي نفس الوقت ينكر وجود خطأ في تأجيل عرضة قبل أسبوع، وفي هذا الكلام تناقض وخلط، فإذا أضيف له اعتراف السيد صائب عريقات، وياسر عبد ربه بالخطأ، وهما من أركان الحكم، حمدنا الله؛ لأن غزة خالية من هذا الخلط الذي لن يصير عجوةً حتى لو ارتش بسمسم الرواتب.