بقلم: د. عطالله أبو السبح
غادرنا رمضان وها نحن في أيام عيد ...وأتمنى أن يكون سعيدا ، كما أتمنى أن تغيب عن سمائنا سحابات ثقال ، لونت حياتنا بالسواد بلا غيث ، وأظلمت بها دنيانا ، وتضجرت قلوبنا وعقولنا ، سحابات أرخت بظلالها البغيضة على مجتمعنا ، فرأى أخ أخاه دميماً لا يحسن شيئاً ولا يستحسن منه شيئاً فلم يعد له نصيراً ولا مؤنسا ً ولا دليلاً ،ورأى آباء أولادهم أعداء، فتمنى أن يخرجوا بلا إياب ، وأن يناموا بلا فواق ، وارتفع نعيب غراب البين ، فلم يعد يطيق أزواج زوجاتهم ولا زوجات أزواجهن ... ما أكثر القيل والقال ، وما أنكى الحقد في قلوب لم تكسر الأغلال عن أعناقها بعد ، وجيران يتهاجرون لأسباب وليست بأسباب ، لا يكاد يطيق بعضهم ان يرى بعضهم ماراً بجنبه ، فسرعان ما يشيح بوجهه عنه مصعراً له خده ، وقد أصم أذنيه خشية أن تعبرهما ( السلام عليكم ) ، ناهيك عن أمنيات العيد ... سحابات ثقال ، أثقلت مشاعر أناس وزاحمتها ، فطردت البراءة والنقاء ، وأحلت قلوبها ظلمات بعضها فوق بعض ... فقد نجح غراب البين فوجد له صهراً ونسباً ، هي نتائج أيام حسوماً يا أبا العبد ، أفقدت البعض الصفاء الفطري الرائع الذي كان يميز هذا الشعب ، الذي يجود بدمه إن ظمئ جاره ، ويطعم الجائع من لحمه – إن جاز له ذلك – ولا يفكر في العقبى ... يأتي العيد يا أبا العبد والثكالى يلوحن بشقائق النعمان على الغوالي ، الذين طحنت عظامهم طاحون الشياطين ... والأرامل لم يزلن في بيوت العزاء ، يستقبلن أمثالهن ، يأتي العيد واليتامى بأبواب مساكنهم ينتظرون آباء قد ذابوا في اللظى ... ولا يزالون ينتظرون على شفاههم ابتسامات لا تدري أهي خجلى أم تعتريها صفرة الموت .. يأتي العيد يا أبا العبد والقدس في مهب ريح عاتية ، فياهل ترى ستصون ابتهالات المصلين وقنوتهم ، ولواعجهم جدران الأقصى من نبات ( الهالوك ) الذي يعمق شروخ أولى القبلتين ، يا هل ترى سيستأصلون مسجد القبة من أصوله كما استأصلوا مقبرة مأمن الله ، وهل بقي لجثامين الصحابة والتابعين من حرمة بعد أن فرضوا على لسانها لغة ( الإيديش ) ...يأتي العيد يا أبا العبد وشاطئنا من الناقورة إلى بيت حانون لا زال في السبي ، وكذا الكرمل الممراح ومرج ابن عامر الضحوك أيام أن كان فيه أجدادنا ...أليست يا أبا العبد الأمانة ثقيلة ، بل أثقل من الجبال والتلال وأثقل من الهموم ، أفلا يستوجب ذلك مزيداً من العمل ، والعمل يستوجب مزيداً من الإخلاص ،والإخلاص يستوجب مزيداً من الوعي ، وكل ذلك يستوجب مزيداً من العدل ، إن الناعبين والناعقين يشينون كل زين ، ويقبحون كل مليح وحسن ، ترى هل من إرادة حقيقية لتلقينهم لحوناً غير لحونهم ، وأناشيد الحياة بدل النواح والنحيب ...يا أبا العبد هناك ألف لسان عليك مقابل كل لسان هو لك ... فأما ما كان منها معك فكلماتها قليلة ...تتوخى الحقيقة والصدق ... ولا شأن لها بلغو أو هراء ، ولكن التي عليك ففي كل نادٍ تلغو ، وفي كل جحر أو زقاق تهرف ، وفيكم سماعون لهم ... أرى نساء مبرقعات يتسولن ويتجولن في كل حارة وفي كل سوق ... هي السنة سوء ... تقول بما تفعل ، و تتسول بفاني الحرمان في زمنك ، واسمح لي أن أذهب إلى أبعد من ذلك ... بعضهن يبحثن عن صيد و ( ماخور ) ... ينشرن من تحت هذه البراقع دعاية خبيثة ، تشوه وجه غزة (!!) التي تحتكم إليك و تحتكم إليها ، وإلى جدارها تسند ظهرك ، و شعبها لك –بعد الله – الظهير ... وأخشى أن يسقط في حمأتهن المزيد من الموتورين والأغرار واليائسين ..
يأتي العيد يا أبا العبد وأسرانا ينظرون إليك بأمل وإشفاق .. هرست السنون زهور حياتهم ... وغاصت نضارتهم وراء التجاعيد التي كست مشاعرهم وآمالهم ، وجهادهم بعد أن أصاب المفرطون كل هاتيك السجايا في مقاتل الأسرى يا أبا العبد لا يعرفون العيد ولا بهجته ، ولا يعرفون السعادة أو ترانيمها ، ولا تحتفظ ذاكرتهم إلا صوراً لوجوه طفولية أمست في غيابهم صوراً لرجال أشداء و منهم من خط الشيب مفرقه ، وأخرى لبنيات صغار يوم أن كانوا يخرجون من بيوتهم ليعودوا إليها ، وأست البنيات صبايا ثم زوجات فأمهات فجدات ، ولا زلن بنيات صغيرات في ذاكرة الأسير لطول الغياب ، من أسرانا من لا يعرف بيته الجديد ولا ابنه الذي كان جنيناً قبل ان يسجن أبوه ... من أسرانا من ينظر إليك في شوق ويتمنى أن يلقاك ولو قبل الموت ( وصدقني ) ولو بساعة ... هي عمر الحرية التي يتمنى أن يعيشه قبل أن يفارق الحياة ... فماذا ستصنع له ... بل لهم ... بل لكل ذلك ..
وحتى لا تضيع الفكرة في زحمة الحروف ... فيا أبا العبد ... العيد إعادة المجتمع إلى المحبة والوئام ، إلى الأسرة النقية التي لا يشوب صفاءها خصام ، أو العيد أن تحصن غزة بالعدل والحب والمساواة وإيتاء كل ذي حق حقه بلا حيف أو شطط ... العيد أن تحد من ألسنة السوء بالوصال والتسول بالكرامة والحياة ... العيد أن تمسح دمعة يتيم وتواسي الثكالى وتعين الأرامل على نوائب الدهر ... العيد هو فكاك الأسير ليذهب مع بنياته وأبنائه لشراء أثواب العيد ... العيد هو القدس ... قبة الصخرة ... وتصليب جدار المقاومة حتى لا نرى تلك الوجوه اللئيمة تقترب من أبنية العمر و قد هدم الأقصى ....
وكل عام وأنتم بخير ،،،،