بقلم: د. فايز أبو شمالة
تعمّد 'أهود باراك' أن يخفي انزعاجه من تقرير 'غولدستون' وادعى أنه يتحمل المسئولية في محاولة لشد أزر جنوده الذين مارسوا الجريمة على أرض غزة، وادعى كذباً أن التقرير لن يؤثر على قرارات الحكومة للعمل ضد قطاع غزة، وقال لصحيفة 'يديعوت أحرنوت': مثلما عملنا في الماضي، سنفعل في المستقبل.
أما 'نتنياهو' فقد وصف التقرير بأنه مكافأة للإرهابيين، وهاتف كلاً من 'براون' بريطانيا، و'برلسكوني' إيطاليا، و'مدفيدف' روسيا، وطالبهم بالتشهير في التقرير، أما 'شمعون بيرس' الذي أجرى عدة اتصالات دولية قال: إن التقرير سخرية تاريخية لا يفرق بين المعتدي والمعتدى عليه.
في حين قال عنه وزير العدل الإسرائيلي دانيال فريدمان: 'إنه تقرير سياسي يختفي خلف ستارة قانونية، وهو زائف'، وقال عنه وزير الخارجية 'داني أيالون': هذا التقرير ليس قاسياً على (إسرائيل) فقط، وإنما هو مزعج لكل الدول الديمقراطية التي تحارب ما يسميه 'الإرهاب'.
ما سبق من سُعار إسرائيلي لا يخفي ارتباك قادة (إسرائيل) بعد أن انكشفت عورتها الإرهابية أمام العالم، الذي بات يقارب بين الإسرائيلي الجريمة، والتفجير، والقنابل الفسفورية، وهدم البيوت، وقتل الآمنين، وهذا بحد ذاته أصداء نصر لمعركة غزة تصفع آذان المتشككين، والمحبطين، وإن كانت (إسرائيل) قد نجحت في التمويه، والتغطية على مجزرة مخيم جنين في إبريل 2002، وتآمرت مع بعض القيادات الفلسطينية، وقايضت حريتهم، وسلامتهم، بعدم متابعة تقرير الأمم المتحدة حينئذ، وإن كانت قد نجحت بعد شهر في الالتفاف على المقاومين في كنسية المهد، والتخلص من فضيحة دولية أسهم وسطاء فلسطينيون في التغطية على بشاعتها، فإن واقع الحال في غزة يختلف كلياً، بل يشجع على تواصل العمل الدولي للكشف عن الجريمة، وهذا ما يربك وزير الحرب الإسرائيلي الذي سيفكر ألف مرة قبل تنفيذ أي عمل إجرامي آخر في غزة، فجاء تهديده اللفظي ليغطي على عجزه، ولاسيما أن الزمن الذي تحقق فيه لـ(إسرائيل) غطاء أمريكي بصمت دولي، وغض طرف عربي، وإيماءة فلسطينية قد عبر بلا رجعة، لذا يحاول 'باراك' أن يوجه تحذيراً إلى المقاومة الفلسطينية، وهذا أمر مكشوف، لأن المتهم بجرائم حرب، والهارب من العدالة، لا يفكر إلا بالنجاة، والتخلص من جرائمه، وهنا يمكنني القول: إن عدم الملاحقة لمجزرة جنين قد عبد الطريق لمجزرة غزة.
لقد عززت الأمم المتحدة قرار 'غولدستون' بقرار آخر يطالب (إسرائيل) بالانضمام إلى الدول الموقعة على ميثاق منع انتشار الأسلحة النووية، وفتح منشآتها أمام الرقابة الدولية، وقد صوت على القرار 49 دولة ضمنها روسيا والصين، مقابل معارضة 45 دولة، الأمر الذي وصفته 'هآرتس' بأنه انقسام واضح بين الدول الغربية المتطورة وبين الدول النامية. وهذا ما دفع 'يديعوت أحرونوت' لتقول: إنها المرة الأولى منذ العام 1991 الذي تطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية (إسرائيل) بالتخلي عن برامجها النووية. وهذا ما لم تدركه أمريكا حتى هذه اللحظة، وهي تواصل التغطية على الجرائم الإسرائيلية، ففي اليوم الذي فشل فيه المبعوث الأمريكي 'جورج ميتشل' في التوصل إلى اتفاق مع الإسرائيليين على تجميد مؤقت للاستيطان، انتقدت الخارجية الأمريكية تقرير 'غولدستون' بشكل فاجأ الإسرائيليين أنفسهم، الذين حسبوا أن مع أمريكا أسبوعين لتقايض تجميد الاستيطان بتجميد العمل بالتقرير.
ومهما يكن الموقف الأمريكي، فقد باتت الجريمة في العالم حكراً على (إسرائيل)، وهذا ما يؤكده مجلس حقوق الإنسان الذي تشكل قبل ثلاث سنوات ونصف السنة، أجرى خلالها تسعة تحقيقات، كان بينها خمسة ضد جرائم (إسرائيل)، وأربعة ضد بقية دول العالم.
فأين السلطة الفلسطينية من هذه التطورات التي تحتك بجوهر القضية الفلسطينية؟