بقلم: مصطفى الصواف
يعيش العالم في ظل قانون الغاب الدولي القوي يأكل الضعيف، وهو المعمول به، لأن القوي في هذا العالم ظالم ومتكبر وأحمق، القوي في هذا العالم يدعم الإرهاب ويحارب السلم المجتمعي ويرتكب الموبقات باسم الحرية والمدنية، ويغطي على جرائم حرب ضد الإنسانية ليس ذلك فحسب بل يدعم المجرمين من مرتكبي هذه الجرائم بكل أشكال وأنواع الدعم المالي والسياسي والعسكري، لأنه يدرك أن أحداً لن يقوم بمحاسبته أو مجرد لومه.
ما قدمه ريتشارد جولدستون رئيس لجنة التقصي الحقوقية الدولية التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ليس جديدا، بل هو تأكيد على الجريمة بحق الإنسانية التي ارتكبتها (إسرائيل) بحق الشعب الفلسطيني وأكدتها كل الوقائع على الأرض وهذا العدد الكبير من الشهداء الذين ارتقوا نتيجة هذا الإرهاب الذي مارسته دولة الاحتلال بحق المدنيين، حيث أكدت المؤسسات الحقوقية أن أكثر من 900 شهيد من بين الشهداء الـ 1400 هم من الأطفال والنساء وجزء من الـ 500 الباقية مدنيون ومقاومون، ودليل ما حدث انه جريمة حرب هذا الاستهداف لمنازل المدنيين والمساجد والمستشفيات إضافة إلى استخدام القنابل الفسفورية الحارقة المحرمة دوليا وكذلك قنابل الدايم، وما هو أفظع كشفت عنه مؤخرا وهو قتل المدنيين بشكل سادي ومتعمد وهم يرفعون الرايات البيضاء أو كانت قوات الاحتلال تسمح لهم بالمغادرة ثم يقوم الجنود الصهاينة بإطلاق النار والقتل حتى الموت للنساء والأطفال والشيوخ رغم أن قوات الاحتلال هي من سمح لهم بالمغادرة.
ما جاء في التقرير الأممي أكدته قبل ذلك التقارير الإعلامية والصور الحية التي خرجت للعالم والتي أثبتت جرائم الحرب ضد الإنسانية وحجمها المرتكب من قبل قوات الاحتلال، وجاء هذا التقرير ليؤكد على ما هو مؤكد، وما ميزه انه صادر عن هيئة أممية موثق لها كل الأدلة التي تثبت أن ما حدث جريمة حرب ضد الإنسانية.
ولا يخفى على احد أن السياسة لعبت دورا في جزء من هذا التقرير والذي أشار إلى أن حركة حماس قد تكون قد ارتكبت جرائم ضد الإنسانية من خلال إطلاق الصواريخ على البلدات الصهيونية، ونسي معدو التقرير في أزمة الضغوطات ومحاولة إرضاء البعض وبين تبيان الفرق بين العدوان والإرهاب والدفاع عن النفس، لأن ما مارسته قوات الاحتلال الصهيوني هو إرهاب دولة وعدوان وجريمة كاملة الفصول وعن قصد وتعمد مقصودين، وما يدلل على ذلك هذه اللجان التي شكلتها حكومة الاحتلال في التحقيق بتجاوزات ارتكبها جنودها، رغم أن كل العدوان تجاوز مقصود ومرسوم على أعلى المستويات في دولة الكيان.
ولكن ما كانت تقوم به قوى المقاومة وعلى رأسها حركة حماس هو أمر طبيعي لأن من حق الشعوب المحتلة أن تقاوم الاحتلال وأن تدافع عن نفسها، فهذه المقاومة وهذه الصواريخ ما كان لها أن تنطلق لولا الاحتلال الصهيوني وجرائمه التي يرتكبها ليل نهار بحق المدنيين العزل سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، ومن يتحمل نتائج هذه المقاومة هو الاحتلال نفسه الذي يرفض أن ينهي احتلاله ويقتل ويجرح ويعتقل ويتوغل ويجرف الأراضي ويدمر البيوت في كل يوم وفي كل مكان.
حماس وكما هو معروف حتى لرئيس اللجنة وكل المؤسسات الحقوقية وفرت الدعم الكامل والتسهيلات اللازمة للجنة للعمل في قطاع غزة وبحرية كاملة، لأنها تدرك أن الحقيقية أبلغ من أي تحقيقات وأن مقاومتها لم تخرج عن نطاق القانون الدولي في الحق بالمقاومة، وفي الوقت نفسه (إسرائيل) رفضت التعاون مع اللجنة واعتبرتها منذ اللحظة الأولى أنها منحازة لمصلحة الفلسطينيين ورفضت استقبالها أو إجراء تحقيقاتها داخل المؤسسات الصهيونية، وهي اليوم ترفض هذا التقرير بشكل كامل.
على حماس أن لا تستعجل بالرد وأن تنظر إلى هذا التقرير من كل الجوانب وأن تأخذ بعين الاعتبار الموضوع السياسي وتبرز الجوانب الإيجابية في التقرير والذي جاء في غالبيته مديناً للجرائم الصهيونية، وان من حق حماس أن تنتقد الجزء الذي ساوى فيه تقرير اللجنة بين الضحية والجلاد ولكن لا يعني ذلك اعتبار أن التقرير سيئ أو منحاز، ولكن فيه من الإيجابيات الكثير وفيه بعض السلبيات التي يجب دحضدها وتبيانها للعالم، وان هناك فرقاً بين المحتل والواقع عليه الاحتلال.
ولكن من يتحمل المسئولية بعد هذا التقرير الأممي الذي أكد على أن العدوان على غزة والذي وقع في 27-12-2008والذي انتهي في 18-1-2009 هو جريمة حرب ضد الإنسانية، هو الاحتلال الصهيوني ثم المجتمع الدولي وتحديدا أمريكا القوة الظالمة في العالم والاتحاد الأوروبي وهم من يدعم هذا الاحتلال بكل أشكال الدعم بل ويشجعه على مواصلة الإرهاب والقتل، هذا الدعم الأمريكي الأوروبي لهذا الإرهاب الذي تقوم به دولة الاحتلال يجعلها تتمادى فيه وتضرب عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية المعمول بها عالميا، ثم هذا الصمت العربي على جرائم الاحتلال الصهيوني والذي ساهم في تشجيع الاحتلال على مواصلة عدوانه وجرائمه.
ما المطلوب إذن بعد هذا التجريم الدولي للإرهاب الصهيوني والعلني والموثق، هل سيمضي التقرير كما مضى حكم محكمة لاهاي في قضية جدار الفصل العنصري؟ هل ستصمت الأمم المتحدة كما صمتت من قبل ولن تتخذ موقفا إنسانيا عادلا من هذه الجريمة وتحول أوراقها إلى المحاكم الدولية حتى تتخذ الإجراءات المتبعة مع مجرمي الحرب الصهاينة؟.
المطلوب من الأمم المتحدة أن تتحرك هذه المرة وأن يكون لها موقف من هذا التقرير الذي جرم الاحتلال وأن يكون قرارها بعيدا عن ضغوطات الإدارة الأمريكية وأن تعرض التقرير على الجمعية العامة للأمم المتحدة حتى تأخذ فيه قراراً بعيدا عن الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن، وعلى الدول العربية الأعضاء في مجلس الأمن أن تتحرك بشكل سريع لتبني هذا التقرير والعمل على إدانة الاحتلال الصهيوني، والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه، ومقاومة الاحتلال وهذا مكفول في المواثيق والأعراف الدولية.