بقلم د. خالص جلبي
مع هذا العمود أكون قد تجاوزت ألفا، بعد أن طفت في عشرين حقل معرفي من الإنسان والتاريخ والفلسفة والبناء الذري وأسرار الكون وخفايا علم النفس وظلمات الماضي وحركة المجتمع وبناء اللغة والمكونات دون الذرية وخرافة التسلح والأمن الفعلي على طريقة إبراهيم، ومع هذه الألف يقف الإنسان في محطة التأمل ينظر بإمعان لما مضى ويسأل الله فيما سيأتي السداد.
والإنسان هو معادلة ووظيفة وتاريخ ومسئولية.
معادلة للطاقة المبذولة من خلال وحدات الزمن المتدفق. ووظيفة هي الشهادة، بمعنى الحضور الواعي للعالم الذي أكرمنا الله بالمشاركة في وجوده، فلنتأمل زنابق الحق والمطر، وعزف الريح ولحن الوتر، الصبي في بكائه والمرأة تضع، والمريض في آلامه، والمدنف يودع الحياة بعد امتلاء، والفتاة والشاب يستقبلان الحياة بالحب والترحال.
والإنسان تاريخ فهو قطعة من ملحمة الإنسانية وهناك من الأفراد من غيروا مسار التاريخ بعزم أكيد ورؤى واضحة، ومنهم من غير التاريخ وهو لا يعرف ماذا فعل! مثل غاريبالدي وكولمبس.
وأما المسئولية فقد سطرها الرحمن فقال وقفوهم إنهم مسئولون، فنحن لسنا ذبابة تعبث وبعوضة تلدغ ونحلة تلسع ودابة تسرح، بل روح تسري في الزمن اللانهائي، في رحلة إلى الله، الذي يعلم السر وأخفى، ثم إليهم ترجعون، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون، وعلى ما ذا كنتم تختصمون؟ ولماذا قتل من قتل وسفك الدم من سفك؟ أو من عبد الرحمن وأناب وكان نورا للبشرية فاهتدت.
الزمن يتدفق ولا يكاد يصدق المرء طبيعة الإنجاز.
واليوم استعرض حصيلة تجاوزت ألف عمود يومي.
والعبرة ليس كم كتب الإنسان؟ ولكن ماذا كتب؟
والله يبلونا أينا أحسن عملا وليس أكثر عملا.
وعندما أراجع البريد الإلكتروني الذي يصلني من القراء أجده جيدا. والاعتراضات طبيعية. وينقل عن الرومي قوله لا يهمني من يمدحني، فهذا يكرر ما عندي، ولكن من ينتقدني لأنه يصحح مسيرة عملي.
وبعض الاعتراضات يصعب وصفها بالنزيهة تماما، ومن القراء من خاطبني بقسوة، ومنهم من اقترب من الشتيمة، فزلت قدم بعد ثبوتها، ومنهم من دعا لي بالهداية وأنا أقول فزادهم هدى وآتاهم تقواهم، فأرجو من الرحمن أن يزيدني.
ومنهم من اعترض على طريقتي في استخدام الآيات القرآنية، ولكن الكثير منهم دعا لي بطول العمر والعافية.
ومنهم من اعتبر ما اكتب مصدر ثقافي لهم وكنز ونبع تقص فيها المقالة من مكانها وتحفظ أو من بالغ فقال أقرأ الجريدة من أجل مقالتك وهذا حسن ظن ولكني أنا أعلم بنفس وأسأل ربي أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين.
ونحن في الواقع ننمو مع القاريء، ونتعلم منه، ويجب أن نحترم عقله ولا نستخف به.
وهناك الشامتون والمتربصون والحساد ومن يختلف معك بالرأي؛ فيرى أن ما تكتب هجرا من القول وخطيرا على عقول الشبيبة.
وبالطبع فإن رئيس التحرير يلعب دور مانعة الصواعق ما لم تكن صاعقة غير عادية.
ونحن من يكتب نمشي بين الألغام، وقد ينفجر علينا لغم أرضي أشد من ألغام الدبابات فينفجر بالكاتب وقلمه ومصيره.
وهناك من طار من منصب خطير في جريدة أو مجلة هامة وكلنا يعرف ذلك.
وهامش الكتابة في العالم العربي في طريقه للتحسن أكثر وبتسارع، والقارئ يجب أن ينتبه لعيوب اللغة الثلاث: التعميم والحذف والتشويه، وأهمها الأولى؛ فيجب أن لا ينظر إلى الجرائد أنها كلها كذب، أو أنها كلها صدق وطهارة. فالنظرة الثنائية الحدية ضارة وغير علمية ومحبطة.
ويجب أن يعلم أن الكاتب له هامش يجب أن يحترمه في اللعبة.
وفي الغرب تلعب مصادر التمويل دورا في الرأي العام، ولكن هامشه أفضل من العالم العربي. ونحن نحاول أن نقارب ونقول ما لا يدرك كله لا يترك جله.
ونحاول أن نقول قولا لا يوقظ نائماً ولا يزعج مستيقظاً، أي تمرير أقل قدر ممكن على أساس أنه سيتحسن للمستقبل، وكما يقول المثل ساقية جارية خير من نهر مقطوع.
أي أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
وهكذا فالجبل العظيم هو تراكم ملايين الحصى. والنهر الجبار هو تزاحم تريليونات نقط الماء. وفوق كل ذي علم عليم. ولو شاء لهداكم أجمعين.