بقلم: د. عطالله أبو السبح
كان لموقف عباس (الغريب) أثره في توتير الساحة، فقد تعددت تصريحاته المعادية جداً، والهجومية جداً عليك، وعلى حكومتك، مما أنذر بخطر محقق، غير العدوان الصهيوني، إلى جانب المخطط الأهوج غير المسئول أو المنضبط الذي ينفذه الوقائي، الأمر الذي هيّج الاستقرار في حياة الأسرى فتنادوا لوضع حد لهذا، فصدرت عن عقولهم المتوهجة، وقلوبهم الملتاعة وثيقة دخلت تاريخنا باسم وثيقة الوفاق الوطني، أو وثيقة الأسرى، ما كان في وسع أحد أن يقول لها: لا، لأنها تدعو إلى التوفيق، ورأى الجميع أن تطرح على طاولة حوار وطني، قبلت به بقلب مفتوح وعقل مفتوح، ولم يكن قد مضى ثلاثة أشهر على قيادتك، وإذا بعباس يهدد بصوت فيه قدر من النشاز ما يحدث انقباضاً، وليته ما فعل!!! فلقد هدد بطرح الوثيقة على الشعب ليقول فيها رأيه (استفتاءً) ما لم تتوصل الفصائل إلى صيغة توافقية حولها خلال عشرة أيام، لكم تعمد عباس إشهار سيف الوقت على عنق حكومتك وبرنامجها، لقد كانت دعوة عباس مسبوقة (بأوامر) تسيفي بإجراء ذلك الاستفتاء حول حكومتك، ولكن لا دعوة تسيفي استجبت لها، ولا دعوة عباس أفلحت في اعتماد الأيام العشرة سقفاً، بل لم يكن لها سقف البتة، وليته ما فعل، فلقد أرسل محاوريه ليحاوروك ويحاوروا الفصائل وهم مسلحون (بالفيتو) على كل رأي تبديه، ورؤية تراها... مقتدين برئيسهم الذي ما ترك فرصة إلا واقتنصها للنيل منك، حتى بين حملة نوبل، وفي البتراء وقف عباس متهماً شريحة من شعبه (!!) أنها أوصلته إلى مأزق عالمي هذه الشريحة هي أنت، وحركتك رغم التفاف شعبك حولكما، والأدهى أنه يبرر ذلك بأنك تتبع سياسة لا يقبل بها (!!) ولا يقبل بها العالم العربي ولا العالم بأسره، وكأنه قد استقرأ آراء الأمة العربية فوجدها تلهث لاسترضاء هذا الكيان الغاصب، والارتماء في أوكار الأفاعي الصهيونية، لرضاها بذبحنا، وتدمير مقدساتنا، واغتصاب حقنا في الحياة، وتهويد القدس، وذهب عباس إلى أبعد من ذلك فلقد بشر (العالم بأسره) على أنه يُلقي وسيُلقي القبض على منفذي العمليات الجهادية حتى ولو اضطر إلى قتلهم، فإن ما يقومون به هو عمل حقير، ولا يحقق مصلحة الشعب الفلسطيني، الأمر الذي وضعه في صف الاحتلال في نظر هذا الشعب الصابر المصابر، وقد أثار السخط والعجب... أهكذا (عباس) كان الرد عليه حاسماً ومدوياً ومؤكداً أحقية هذا الشعب في التصدي لهذا الغاصب اللئيم... لقد أذهلت ثلاثة فصائل العالم بإقدامها على عمل فدائي جسور، عز نظيره، أثار الإعجاب حتى في نفوس قادة الجيش الذي كان لا يقهر، فبدد هذا الوهم في عملية حملت هذا الاسم (الوهم المتبدد) إذ قامت فصائل ثلاثة بتخطي الألغام والأسلاك وعيون الجواسيس ومناظير الليل والأشعة المدون الحمراء والفوق البنفسجية، وألف كلب وكلب، وجاءت بشاليط، فمرغوا سمعة الجيش في الأوحال، وساخت أقدام الموساد وأخواتها في الذل والهوان إذ لم تستطع جميعاً، ولهذا اليوم أن تستنقذه، وبلع عباس ريقه، فهذا هو الرد، وكل الذي فعلته دولة الكيان أنها أمطرت على غزة صيفاً من قذائف وقنابل ومتفجرات، ولكنها لم تغنٍ عنها شيئاً... كان ردك فاعلاً، بل الأفعل في قلب المعمورة، وقفز بصورتك إلى صدور العطشى للكرامة، والإباء والنصر... وصلّب جدار الصد لتغولات يهود، في الوقت الذي كنت فيه تحاور وتحاور من أجل ترتيب هذا البيت الذي يجمعك مع عباس ومشروعه ورجالاته، وهو أمر – لا شك- بعيد المنال، خاصة وأن رأسك مطلوب إسرائيلياً وللأذناب أيضاً الذين لم يستحسنوا منك شيئاً أبداً، أبداً، حتى وإن استحسنت شيئاً فلا يرونه إلا قبيحاً فقد قبلت بوثيقة الأسرى وإذا بعباس – بعد أيام- يرفضها بدعوى أنها لم تعد صالحة للتسويق، لأن الفصائل أعملت فيها عقولها، فشوهتها في نظر الرباعية، فلقد أصرت الفصائل على حقها في المقاومة، كما أصرت على عدم الاعتراف بـ(إسرائيل) وهما غاية الغزاة ومناهم، حتى وإن تزينوا بأزياء الرباعية آناً أو الشرعية الدولية آناً أو المشينة الأمريكية آناً آخر، وهي غايات عباس وأمنياته، الذي يحلق بعيداً عن السرب الفلسطيني.. متناسياً أن هؤلاء جميعاً هم من ضرب علينا الحصار قبل مجيئك بسنين، هم من أحاطوا المقاطعة بالبنادق والمدافع والطائرات وبالسموم حتى مات عرفات مقتولاً محاصراً، وهو الذي يمثل الرمزية لفتح في المقام الأول، ولعباس بالضرورة، ولكن للأسف، للأسف أمسى عباس في واد، وشعبه في واد آخر، سحب عباس معه إلى واديه من ناصبك العداء، وفي يقظته ومنامه يرى شمسك وقد آذنت بالأفول، وإلا فسيضيع غيوماً لتحجبها عن النواظر، فيأذن بالإضرابات، والاضطرابات وافتعال الجوع، فقدان الأمن، وأليّس من مناص من عملية تصحيح (أي انقلاب) عليك وأن المجتمع هو الذي قرر ذلك على رأي فبنود الشارع السياسي ياسر عبد ربه (عَيٍّّل) عباس المدلل...
ودارت طاحون الشياطين من جديد، فكان القتل، والخطف، قتل جاد تايه، وإذا بك، وعلى لسان عباس أنت المدان، لينطلق لسان دحلان مبشراً بحرب أهلية، وجاء إنذار بأن تسلم (القتلة) وإلا... هي لغة جديدة أخذت تجري على لسان عباس (!!) ولكنك رددت الهجمة، فلست القاتل، بل قيادات فتحاوية هي قتلت، هي هي التي قتلت موسى عرفات، وحاولت تصفية طلال أبو زيد، ومذبحة العقداء وخليل الزبن وهشام مكي وغيرهم وغيرهم.. هي نفس الأيدي التي وضعت حداً لحياة خصومها ليخلو لها البر والفضاء والبحر والشاليهات والمنتدى.
سارت بك الأيام من حقل ألغام إلى آخر، ومن إضراب إلى اضطراب إلى مذبحة، ومن لسان بذيء إلى لسان أشد بذاءة... أعانك الله،،
أتوقف، لأستأنف الحديث في الغد إن عشت (أنا) لغدِ بمشيئة الله،،،