بقلم: د. عطالله أبو السبح
هي هي نفس الوجوه التي رأيناها على مائدة الإفطار الرمضانية ، والتي رأيناها عبر التلفزة اليهودية التي تبدي ولاء لا نظير له ليهود ، وتهدر بالوعيد الشديد لك ولمن شايعك ، هي نفس الوجوه التي شاغبت وانفلتت من أي قيد خُلقي أو وطني وما وقرت شيخا ولا رحمت صغيرا هي نفس الوجوه التي وصفت الرجال الذين تحلقوا حول مشروعك ووجودك ( بالمليشيات الخارجة عن القانون) وبالتالي فدماؤها وأموالها وأعراضها مستباحة ، وما تلف منها على أيدي ( القانونيين ) فهو هدر، فالشرعيون هم ، وأما أنت فدخيل ، دموي ، انقلابي ( ولا مناص من محاسبتك على ذلك) ، هم الديمقراطيون الزاهدون في السلطة ، وأما أنت فكل همك الاستحواذ على كامل السلطة ، وأنكروا عليك فهمك للنجاح في الانتخابات ؛ هو امتلاك سلطة الشعب، فأعجب ، فما مفهوم أن تكون رئيس وزراء لهذا الشعب ؟ وما معنى أن كتلتك هي أكبر كتلة برلمانية في القانون الدستوري ؟ وهل هذا يعني أن تملكها ملكا خاصا؟ وكيف ؟ أليس هذا يتناقض مع انقضاء المدة القانونية وتمديدها وأنت مهموم في تشكيل حكومة ائتلاف فلسطيني أسوة بباقي خلق الله ، فنكصوا ولم يستجيبوا أملا في ترقيصك خمسة بلدي ، وتجنبا لعقاب دحلان الذي توعد به من يشاركك أن ( يقل قيمتو) ؟ ثم ألا يتناقض ذلك مع ابتهاجك غير المحدود باتفاق مكة ، وحصول فتح - بموجبه – على ما لا يمكن أن تحصل عليه حتى لو ( لحست حلمة أذنك ) لو كانت فتح في مكانك ؟ فلم شهادة الزور وطمس الحقيقة إذن ؟ وهل صحيح أنك كنت تستهدف رأس السلطة باعتبار أنه رأس فتح بالاغتيال ؟ وإن كان هذا صحيحا ، فلم لم تفعل ذلك أيام أن كان هدفا ميسورا وفي متناول اليد ؟ إذن متى ولدت الفكرة ؟ أمجرد أن نجحت، فأخذت تخطط أو تنفذ مخططا لاغتياله ، ومن ثم تمزيق فتح؟ قد يجيبون بأن الرئيس كان يتصرف معك كرئيس منتخب لكل الشعب ، وأما أنت فقد تصرفت معه كرئيس لفتح ؟ وهنا يبرز سؤال : إذن لماذا سحب كل صلاحياتك ، وصلاحيات وزرائك وسلمها لفتح ؟ قد يرجع ذلك إلى اختلاف برنامجك عن برنامجه ؟ وأقول الحقيقة ، فعباس يدرك أن برنامجك يقوم على تعزيز المقاومة ، وعدم الاعتراف بدولة الكيان ، وعدم التسليم بشرعية ضم القدس ، وإنشاء دولة مسخ مرتبطة أمنيا واقتصاديا بالصهاينة ، وأما برنامجه فيقوم على القبول بكل ذلك ، غير القدس ( ظاهرا ) ، وإن كانت طبائع المطبعين ، واستعدادات المفاوضين وواقعيتهم تقود القدس إلى ما يريد لها صهيون ويهود وأذنابهم ، وهنا جوهر الخلاف، وقد يقال : إن الرئيس كان منشغلا في تفعيل مبدأ الشراكة وأنت قد استأثرت بالجمل وبما حمل !! وهنا ، ونحن في يونيه 2007 ، ومبدأ الشراكة قد شهدت عليه القاهرة قبل هذا التاريخ بسنتين وثلاثة أشهر، فلم تٌرك وهُجر ، وكان المأمول أنك عضو في مؤسسات م. ت . ف منذ سنة أو أكثر ... فلماذا لم يتحقق ذلك ؟ لماذا ؟ وقد يجاب عليك بأن اللجنة التحضيرية قد اعتراها الإهمال والكسل !! ولك أن تسأل: لماذا ؟ ومن المسئول؟ ولماذا لم يستنهضها رئيس الشعب الفلسطيني ، وهو صاحب الصلاحية والأمر النافذ لو أمر أم يريدونك معلقا بخيوط وهمية افتراضية ؟ وإذا ما وجدت نفسك تصرخ لارتطامك بالواقع قالوا: تريد أن تستأثر وتستحوذ وتخص نفسك بالأمر!! وإذا ناديتهم من مكان قريب لم يسمعوا نداءك ، وما استجابوا ، عجيب !! في الوقت الذي هم فيه لا يملكون مؤسسة قيادية ، ولا جسما تنظيميا !!! فمن المليشيات إذن ؟ أأنت وهم يشهدون بدقة تنظيمك وتماسكه ، وهيكليته الهرمية التي لا تكاد تنخرم ... فكيف تكون مليشيات ؟ إنه التناقض أو ضعف الذاكرة !!!
ذهب بعضهم يا أبا العبد إلى أنك قد خرجت في الوقت الذي لم تنقطع فيه علاقات التواصل والشراكة والحوار والتفاوض ؛ من أجل تحديد الرؤيا والهدف ، ووضع الاستراتيجيات الناجعة لحماية الشرعية والمشروع الوطني ، ولكنك فوت كل ذلك مستغلا اضطراب التقدير الفتحاوي ، وأخطاء التدبير المقابل !! وأكاد أسمعك تقول : هذا كلام يؤخذ منه ويرد عليه ...نعم كان هناك اضطراب في التقدير وخطأ في التدبير ، فلم يكونوا يتوقعون نجاحك ، وأنهم قد خرجوا من قلوب الناس وعقولهم ، بل خرجوا عن الصف المقاوم ليدخلوا في متاهات التفاوض العبثي والكارثي ، وظنوا أنهم مانعتهم وعودهم المبنية على وعود دولة الكيان السرابية الخلابة ، فخاب فألهم ، وكعجوز قد ذهب عنها الصبا ؛ فأخذت تتصابى ، حتى ( هزلت حتى بان من هزالها كلاها وحتى سامها كل خاسر) فأخذت تماطل وتماطل في هذه التفاوضات ، وبمراسيم غير دستورية أو شبه دستورية أخذ عباس يصنع وقائع على الأرض ، وعليك أن تسلم بهذا للأمر الواقع ، وهذا ما لا يقره ذو عقل أو من ألقى السمع وهو شهيد ، هذا إلى جانب خطأ التدبير، وهذا صحيح ، فلقد أعد عباس أجهزة قمعية لشعبه ، حامية للكيان ، الأمر الذي جعل من بنائه أوهن من بيت العنكبوت ، وإلا فلماذا لم تفعل تلك الشراكات المنشودة؟ ولم لم يصل المتفاوضون ( الفلسطينيون إلى نهايتها ) رغم أنها بدأت منذ قدوم السلطة ، أو هكذا ينبغي أن يكون ، أو المفترض أم ( غابت الرؤيا بشأن مستقبل السلطة عموما؟، لم يستفد القائمون من المتغير الزماني والمكاني الذي طرأ على فتح بدخولها الأرض الفلسطينية المحتلة ، مستظلة بالعلم اليهودي ، فظلت – في ظل هذا الغياب – تدير الوطن بعقلية الشتات الاستحواذية والفردية ، والاقصائية ، دون معرفة واعية بطبيعة هذا الشعب الذي لا يجد لبقائه على قيد الحياة مبررا إن استبد به أحد حتى ولو كان من بنيه ولا يرضى لنفسه أن يقاد بأمعائه دون كرامته ، كما لا يرضى أن تسلب منه إرادته ؟
وذهب هذا البعض أيضا إلى جلد فتح بأنها انعدمت عندها الرؤيا الخاصة بالتعامل مع الحركات الدينية وميليشياتها !! وهو أمر سخيف ، والأسخف منه هو التفكير فيه ، فإن كانت فتح التي تشكل لحمة وسدادة السلطة الفلسطينية قد انعدمت رؤياها مع الحركات الدينية ، فمن هي إذن ؟ وهل الدين لديها ليس مكونا أساسيا للعمل الثوري والوطني ؟ وهنا الطامة !! وإذا نظرت فتح بعين إلى الوراء ، حيث التاريخ والنشأة والتكوين لوجدت تناقضا في هذا التشخيص ، فصلاح خلف ، وخليل الوزير ، ومحمد يوسف النجار، وكمال عدوان ، وفتحي البلعاوي ، وسليم الزعنون ، ورياض الزعنون.. كلهم كلهم وغيرهم هم من الإخوان المسلمين ، ومن أدبياتهم انطلقوا لبناء ثورة ، وكذا ياسر عرفات الذي لم يكن إخوانيا ، بل كان متدربا ومدربا في معسكرات الإخوان ، كما شهد على نفسه وأثبته حسن دوح أحد أقطاب الإخوان في مصر في كتابه 'حديث إلى الشباب' ، أم أن انعدام الرؤيا وفق ما تراه دولة الكيان وأمريكا ، إن كان كذلك ففي الأمر مغالطة أيضا ، فإن محمد دحلان والطيب عبد الرحيم قد زعما لعشرات المرات بأنهما الأخبر في الحركات الباطنية ثم ألحق الأخير (حماس) (بالحشاشين ) فأين إذن غياب الرؤيا في التعامل مع هذه المليشيات ؟... أم أنها فلسفة ذلك الأعرابي الجبان الذي هرب من اللصوص حتى سرقوا إبله ، فسأله سائل : ماذا فعلت ؟ فأجاب: أوسعتهم شتما وأودوا بالإبل.
أتوقف هنا لأستأنف يوم غد ، إن عشت (أنا ) لغد بمشيئة الله ،،،،