إلى روح الاستشهادي إيهاب أبو سليم

نشر 11 سبتمبر 2009 | 12:42

بقلم: ديما السماني

 

تنفس الفجر بنسمات ثقيلة، أطبقت الشمس أشعتها على صفحة السهل الملاصق للبيت الحجري المدوّر، وبقيت الحجارة المتراصة بخطوط الطين الجاف المغبّر تستقبل مكنونات خيوط الشمس المشبعة بلون الذهب الصافي، أما الأعشاب الناجيات من صيف حارق وشتاء قارص والتي نمت مللاً بين صفوف الجير المرقّق فانتعشت لنسيم الصباح المعطّر.

 

في زاوية الشرفة الأمامية من المنزل المهترئ جلس يتكئ على طرفي الكرسي الخشبي مصدراً صريراً خافتاً كلما تنفس القلب الهرِم، وعلى أخشابه المرتبة بإتقان قديمٍ تموضع جسد نحيلٌ ترهلت خلاياه عبر ستين عاماً تشرّبت التعب البديهي الجارحَ أحياناً والجميلَ أحيانا أخرى.

 

أغلق صفحةً تتوالى الآيات فيها كالورد المنثور على صفحة ماء، وقرّب الكتابَ الذي يحويها إلى وجهه مقبّلاً إياه ثلاثاً، ثم مسحه بجبينه مسحة تقليدية اعتادها مذ كان طفلاً يجلس أمام والده قارئاً ومستمعاً.. هي لحظات قليلة حتى أعادت المسحة هذه عبقاً لم يغادره لحظة، يومَ كان يعلّم ولده كيف يقوم بها، فيخطئ الطفل ويتضاحكان.

نهض عن الكرسي بعظام تكاد تحتك ببعضها ألماً، ومد بصره المتواضع فوق صفوف الورد المغروس بعناية قرب المدخل الترابي، وسمح لنفسه ببضع لحظات سكونٍ تتسلل عبر السهل المصفرّ الوادع، ولم تخلُ نظراته من ذكريات رحل إليها وفيها ومنها، وبقيت يداه المجعدتان تسندان جسده الضعيف على حافة السور الذي يوقف امتداد أحجار البيت العتيقة.

 

علا صوت المذياع فجأة بحركة دائرية من يدٍ خشنة لزوجته الهرمة، حاولت قتل سكون الصباح الثقيل هذا وتحريك الجسد الماثل قبالة السهل بأصوات المذياع مهما كانت، نظرت برفق إلى زوجها ومالت بجسدها الواهن نحو غرفة أخرى تاركة إياه يغرق في تحرّكات رموشه صعوداً ونزولاً كاشفةً عن الطبيعة الهادئة.

'اليوم التاسع من أيلول، لعام ألفين وتسعة، هذا اليوم يحمل شيئاً مميزاً..'، ارتعش جسده ذهولاً وفرحة، وتقرب إلى المذياع وكأنما يعجّل بذلك صوت المذيعة لمعرفة ما ستقول تباعاً، كان مشبعاً بالسعادة في تلك اللحظة بالذات، فأوهامه تبددت وشكوكه التي كادت تكون حقيقة أصبحت في طي النسيان قسراً، فولده الذي جابت صورته العالم يوماً لا بد أن يكون اسمه اليوم على لسان المذيعة.

 

لم يُذكر الاسم، ولم تَذكر ذاتُ الصوت المنعّم أيَ شيء يقاربه، كانت عباراتها تتغنى في الصدفة التي يفرضها هذا اليوم حاملاً الرقم 'تسعة' في كل تفاصيله، وانغمست في تبجيل ذلك وكأن الكون يتوقف في هذا اليوم احتراماً للصدفة هذه.. فما كان منه إلا إخفاء صوتها بضغطة قوية من أنامله المرتجفة قهراً.

 

عاد إلى مشهد السهل الواسع، وبقي يحرّك ذكرياته عمداً حتى وصل إلى اليوم الذي كان يمتلئ فيه الجسد عرقاً بعد عمل شاقٍ، يوم كان جالساً يتفيأ ظل الزيتونة الضخمة ذات الثغرات في ساقها الصلب، يوم جاء ابنه إليه بكوب ماء عذب ومنديل يريد به مسحَ حبيبات العرق المتلألأة على جبين أبيه اللامع، يومَ بقي الولد ينظر إلى والده غير مفارق أي لمحة على محياه، يومَ غادره بعد دقائق معدودة مقبلاً يديه المغبّرتين ووجنتيه المجعدتيْن، يوم رحل ولم تعد منه سوى الرائحة المعطرة بمسكِ العز المجبول مع الخلايا الشابة.. يومَ تفاخر اليوم التاسع من الشهر التاسع بولده.

 

مسح عبرات تسابقت إلى زاوية وجهه السفلى بكمّ ثوبه الطويل، ودخل قاصداً الصندوق الخشبي باحثاً عن قصاصة ورق لا ترى النور إلا في مثل هذا اليوم، نشر أنامله على سطحها المجعد شبه المهترئ، وقرأها مراراً، ثم ركّز مقلتيه على ذيل الوصية حيث ارتسمت جملة لم تجعله يبكي بحرقة بقدر ما أرغمته على الفخر المشبع بالفخر.. :' عوضك الله خيراً في ولدك.. علمتني أن أحب الحياة جميلة، وفعلت ما أستطيع كي أجعلها كذلك بعد حين'.

 

أعاد القصاصة إلى مكانها، وبقي ينتظر اليومَ الذي يعيدون فيه جسد ولده، بل بقايا ذاك الجسد المتناثر، ليُشبع شوقَ ذراتِ ترابِ السهل إلى خلاياه.