فن كتابة المقالة

نشر 08 سبتمبر 2009 | 04:21

بقلم د. خالص جلبي

كثيرا ما يسألني الناس عن كيفية كتابة مقالة ما؟

وفي الواقع فأنا لست خريج كلية إعلامية، كما فعلت ابنتي في كندا،  بقدر هوايتي للكتابة منذ نعومة أظفاري،  وبدأت في كتابة أول قصة لي، وأنا طالب في المرحلة الإعدادية، ولكنني توقفت لأن من حولي سخر مني، ولم يشجعني أهلي.

وكنا نسمع السخرية بكلمة لا تتفلسف وهي تعني أن الكلام والفكر والثقافة والبحث والحوار مضيعة للوقت!!

وفي القامشلي حيث نشأت جاءني رجل من أهل بيتي وقال إياك وكثرة القراءة فتصاب بالجنون فهززت رأسي وتذكرت جدال نوح مع قومه.

وكانت أول محاولة كتابة لي قبل أكثر من ثلاثين سنة، حين انكببت على كتابة كتابي الأول بعنوان الطب محراب للإيمان، وتردد الناشر  أول مرة في طباعته، لأنه أول كتاب لكاتب مجهول ولكنه قال لي يومها: إن كل الكتاب المشهورين كانوا في يوم مجهولين، ولذلك سوف أنشر الكتاب على مسئوليتي وليبارك لنا الله.

والذي حدث أن كتاب الطب محراب الإيمان مازال يطبع بعد مرور ثلاثين سنة على خروج أول طبعة له. وقد طبع في السعودية حاليا طبعة جديدة وزع على مكتبات مدارس البنات في المملكة هو وكتابي الآخر الايدز طاعون العصر.

ونحن الآن في صدد طباعة موسوعة كاملة عند العبيكان في نفس الاتجاه.

ومن أعجب الأمور أن كتابي الطب محراب للإيمان كتبته في شهر وأنا مستعد لامتحان الطب الأخير، وكنت أكتب كل يوم عشر صفحات، ولم أعدل فيها شيء بدون بروفة.

واليوم أكتب المقالة فأعدل فيها إلى درجة أنها لا تكاد تخرج للنور إلا وقد اشتغلت عليها مرات مثل العامل الذي يقد الحجر ويصقل الألماس.

وسألني شاب جامعي عن مراحل ولادة المقالة. وأذكر أنني في عام 1993م بدأت بالكتابة في جريدة الرياض وكتبت عندهم 235 مقالة موسعة خلال خمس سنوات ونصف وكانت مقالات متعوب عليها، أنحت فيها في الصخر بأصابعي، واجمع المعلومات بدأب وحرص، وكانت مقالة مطولة تصل إلى 3000 كلمة ويزيد، وأحيانا تأخذ أكداسا من الكتب بالعشرات، واستنفار أسبوع كامل، فكانت إذا انتهت جلست مع عائلتي نشاهد فيلم تسلية.

 واليوم أكتب نوعين من المقالات الوسط الحجم في حدود 1200 كلمة وعمود الاقتصادية وهو طعام سهل هضيم في حدود 450 كلمة يزيد وينقص.

والمقالة تولد عندي في الصباح عادة حيث أشعر بتوهج عقلي غير عادي، والصباح ليس بشرط فقبل يومين كنت عائدا من مؤتمر فكتبت مقالة والطيارة تخض في المطبات الجوية بعنوان سقف الحريات وفلسفة التعبير.

وفي صالة الفندق جاءني الوحي فكتبت مقالة بعنوان مصير الكلمة المكتوبة.

وفي فندق لم استطع النوم  إلا على حافتي، لأنني كنت اكتب وأنا مائل على الورق. وهو يذكرني بقول الله تعالى يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم.

والمهم فبعد انقداح الفكرة تنهمر الأفكار مثل زخ المطر فلا يلحق القلم ما يصدر من أفكار أما الكمبيوتر فأعجز.

ولكن الشيء الصعب ليس الكتابة بل التنقيح وهذا يحتاج إلى جهد طويل لحذف المكرر والزائد والضعيف تماما مثل عملية صقل الألماس وطلي البيت باللون المناسب.

والمقالة الجيدة هي التي تجمع أربعا؛ العمق الفلسفي، والدسامة العلمية، مصبوبة في قالب أدبي من بديع العبارات، معطرة بعطر القرآن.

وعلم الإنسان ما لم يعلم وفوق كل ذي علم عليم.

ويقال أن المقالات القصيرة لزماننا هذا أفضل أثرا وأسرع قراءة وأفضل مردودا.

والله يعلم وأنتم لاتعلمون.